<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) (69)

المفردات:

- اسلكي: فعل أمر، وهو من سلك، أي: ذهب في الطريق.

- سبل: جمع سبيل، وهو: الطريق.

- ذللا: جمع ذلول، أي مسخرة.

- آية: علامة ظاهرة (دلالة).

المعنى الإجمالي:

هذه الآية تكملة لبيان الآية السابقة حول موضوع إيحاء الله للنحل، وموضوع نعمة العسل.

فقد أوحى الله للنحل أن تأكل من كل الثمرات، وأن تسلك الطرق التي هيأها الله سبحانه منقادة لأمره؛ كي تجمع ما تحتاجه لإنتاج العسل.

وهذا العسل الذي يخرج من بطون النحل، بألوان متعددة، جعل الله سبحانه فيه للناس شفاء، وهذه آية دالة على عظيم خلق الله، ولكن لقوم يتفكرون في آيات الله.

المعنى التفصيلي:

- حرف (ثم) في قوله تعالى (ثم كلي) ليس للتراخي، وإنما هو للترتيب الرتبي، حيث إن الأكل من الثمرات، وإنتاج العسل أعلى وأرقى من مجرد اتخاذ البيوت؛ لأن كثيرا من الحشرات تتخذ بيوتا، ولكن هذا الترتيب بـ (ثم) يدل على علو منزلة إنتاج العسل؛ لعلو فائدته.

- (من كل الثمرات) إنه باب مفتوح أمام النحل لتأكل من كل الثمرات، ليكون العسل جامعا لكل الفوائد، والمقصود بالثمرات هو زهورها؛ وإطلاق الثمر على الزهور باعتبار ما كان، واعتبر الزهر ثمرا في حق النحل؛ لأنه يستخلص فوائد الثمرة عن طريق أكل ما في الزهرة، فكأن النحل جمع الثمرة.

- (فاسلكي سبل ربك ذللا) ألهم الله سبحانه وتعالى النحل أن يجمع الرحيق، وسهل له طرق السير، والسبل جمع سبيل، وهو: الطريق. والفاء في كلمة (فاسلكي) للتفريع؛ لأن سلوك النحل للسبل متفرع عن الإيحاء للنحل بأن تأكل من كل الثمرات.

- (سبل ربك) وإضافة السبل إلى ربنا سبحانه وتعالى، هي إضافة عناية ورعاية، لما في كلمة " الرب" من معاني العناية والرعاية، فالنحل يقطع المسافات البعيدة باحثا عن الأزهار؛ ولأن الله ذلل له طرق جمع الرحيق، فإنه لا يضل في بحثه عن الرحيق، ولا يضل في رجوعه إلى بيته، رغم المسافات الشاسعة، بل يرجع إلى بيته ذاته، ولا يضل بدخوله بيتا لخلية نحل أخرى.

- (ذللا) جمع ذلول، ومعناها المسهلة المسخرة، ويحتمل أن يكون حالا من السبل أنها مسهلة، أو حالا من النحل أي منقادة مطيعة.

- (يخرج من بطونها شراب) في الآية التفات من الخطاب (كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا) إلى الغيبة (يخرج من بطونها شراب)؛ لأن الأكل والسلوك وجمع الرحيق من عمل النحل وجهده، ولذا ألهم النحل فعله، بينما خروج العسل من بطون النحل إنما هو أمر آخر لا شأن للإيحاء به؛ لأنه أمر خلقي في جسم النحلة.

- (مختلف ألوانه) أي العسل، وذلك بناء على اختلاف الثمرات التي جمع منها الرحيق

- (فيه) أي العسل (شفاء للناس)، وكلمة (شفاء) نكرة في سياق الإثبات، فدلت على الإطلاق، ولذا فإن (شفاء) لا تحمل دلالة العموم، والفرق بين عموم المطلق وعموم العام، أن عموم المطلق بدلي، وعموم العام شمولي؛ ولذا فإن العسل شفاء، ولكنه ليس لكل مرض في الدنيا؛ لأنه مطلق وليس عاما.

ومعنى هذا الكلام أنه لو كانت دلالة (شفاء) عامة، لشمل العموم كل الأمراض، ولكن دلالة (شفاء) مطلقة، أي أن العسل يطلق عليه (شفاء) باعتبار شفائه بعض الأمراض لا كلها.

وأما حديث (البخاري: 5277) عن أبي سعيد قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أخي استطلق بطنه فقال اسقه عسلا فسقاه فقال إني سقيته فلم يزده إلا استطلاقا فقال صدق الله وكذب بطن أخيك وفي رواية (البخاري: 5252) و (مسلم: 4107): فسقاه فبرأ.

ومعنى استطلق: أي أصابه الإسهال.

وهذا الحديث دليل على أن العسل علاج لهذا النوع من المرض، وليس دليلا على أنه علاج لكل مرض.

إذن فالعسل شفاء للناس، أي لبعض أمراضهم.

- (إن في ذلك لآية) (إن) حرف توكيد (في ذلك) أي: الإيحاء بأن جعل الله سبحانه من هذه الحشرات الضعيفة مملكة منظمة، وأن أخرج من بطونها دواء يحتاج البشر لأن ينتجوا مثله إلى معامل ومختبرات ومصانع، كله يخلقه الله سبحانه في بطن هذه الحشرة.

- (لآية) لعلامة دالة على أن الله سبحانه وتعالى الخالق المستحق للعبادة، واللام في (لآية) للتوكيد.

- (لقوم يتفكرون) وجاء التعبير بـ "قوم" في قوله تعالى (لقوم يتفكرون) للإشارة إلى أن المقصودين هم من أصبح التفكر صفتهم التي عليها يجتمعون، ولأجل هذه الصفة المشتركة استحقوا إطلاق "قوم" عليهم، وليسوا ممن تفكر مرة واحدة أو عدة مرات متفرقة، وفي غير ذلك لا يتفكرون، وهذا ما يفيده الفعل المضارع، من أن تفكرهم متجدد متكرر، وليس بواقعة واحدة.

وقفة لابد منها:

- وقد يسأل سائل عن الرابط الذي يربط الآيات الخمسة الواردة في بيان نعم الله سبحانه وتعالى للتدليل على استحقاقه للعبادة وحده، وهذه الآيات هي:

(والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65)

وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66)

ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67)

وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68)

ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69))

والرابط بين هذه الآيات هو أن الآية الأولى صورة لسماء تقطر ماء.

والآية الثانية: صورة لأنعام تقطر لبنا.

والآية الثالثة صورة لثمار تقطر شرابا.

والآية الرابعة والخامسة: صورة لنحل يقطر عسلا.

ويتكون من هذه الصور الأربعة صور رائعة لنعمة الأشربة، فهي أشربة يحتاجها الإنسان، وعن الطريق التفكر فيها يعلم العبد فينا أن الله سبحانه مستحق للعبادة وحده.

- وتأمل معي بارك الله فيك! فإن الآية التي تتحدث عن الأنعام ذكرت موضوع اللبن؛ لانتظام السياق عن الشراب في صوره الأربعة، بينما تتحدث آية أخرى عن الأنعام في نفس السورة ولكن في سياق آخر، إنه سياق اللباس والبيوت وأكنان الجبال، ولذا جاء الحديث فيها عن جلود الأنعام وأصوافها وأوبارها، لا عن ألبانها، وانظر - بارك الله فيك -إلى الآيات وتأمل:

(والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80) والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81)) (النحل)

- ولكن لماذا جاء بيان الصور الأربعة في الآيات الخمسة (النحل: 65 - 69) على هذا الترتيب؟

جاء الحديث أولا عن نزول الماء من السماء؛ لأن نفعه عام ومهم ولا يستغني عنه بشر، ويدرك كلنا هذه النعمة حتى الراعي في الصحراء.

وجاء الحديث عن الأنعام ثانيا؛ لأنها الأهم بعد الماء للعرب الذين خاطبهم القرآن ابتداء.

وجاء الحديث عن الثمار بعدها؛ لأن العرب يعتمدون على الثمار ولكن بمرتبة تأتي بعد الأنعام.

وأما الحديث عن النحل، فجاء متأخرا؛ لأن حاجة العرب إلى العسل هي حاجة تكميلية، وليست أساسية كالماء واللبن وشراب الثمار.

- وقد جاء ختم الآية التي تتحدث عن إنزال الماء وإحياء الأرض بقوله تعالى (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون)؛ لأن الاعتبار بهذه الآية متيسر للجميع، فالماء أساس الحياة، وهذا لا يجهله أحد، فيكفي السماع الواعي لينبهنا على آية نزول المطر وإحياء الأرض به.

وجاء ختم الآيتين اللتين تتحدثان عن كيفية تكوين اللبن، وعن تصنيع الثمار بقوله تعالى (إن في ذلك لآية لقوم يعقلون)؛ لأن البحث في كيفية تكوين اللبن من بين فرث ودم، هو بحث يحتاج إلى إعمال العقل في البحث العلمي، ولا يقدر عليه أي أحد.

وكذلك، فإن اتخاذ أشكال متنوعة من الرزق الحسن من الثمر؛ كالخل والدبس وغيرهما مما يكثر تعداده، يحتاج إلى إعمال العقل؛ لأن مجال العبرة عند من يباشر التصنيع أكبر منه عند من يأخذ المنتج جاهزا دون النظر إلى مراحل الاستفادة من الثمار.

- وجاء ختم الآيتين اللتين تتحدثان عن إيحاء الله للنحل وعن نعمة الشفاء في العسل بقوله تعالى (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون)؛ لأن إدراك أثر الإيحاء الرباني للنحل يحتاج إلى تفكر ولكن ليس بدرجة فهم كيفية خلق اللبن من بين فرث ودم؛ حيث يدرك كل من باشر تربية النحل أثر الإيحاء الرباني في حياة النحل، ويعرف شفائية العسل كل من جربه، فهي آية تحتاج إلى تفكر.

وأما التعبير بـ (لقوم يعقلون) فيحتاج إلى إعمال العقل أكثر، لأن آية الأنعام تتحدث عن كيفية تكوين اللبن لا عن أنه مفيد، وكيفية التكوين تحتاج إلى إعمال للعقل بدرجة عالية، ولم يعرف البشر - في حدود ما اطلعت عليه - كيفية هذا التكوين على الوجه التفصيلي العلمي إلا في هذا الزمن.

وكذلك الآية التي تتحدث عن الاتخاذ من الثمرات، يعني التصنيع، ختمت بقوله تعالى (لقوم يعقلون)؛ لأنها لا تتحدث عن أكلها فقط، حيث إن تصنيع الغذاء من الثمار ما زال متطورا بتطور العلم، ولم يقف تطوره من زمن نزول الآيات إلى الآن، فكلما زاد العلم زاد تطور التصنيع الغذائي، وكلما زاد تطور التصنيع الغذائي، كانت العبرة أكبر.

<<  <   >  >>