<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) (76)

المفردات:

- ضرب: جعل.

- مثلا: وأصل المثل: الصفة، ومعناه هنا: وصف يقاس عليه.

- أبكم: الذي يولد أخرس.

- كل: ثقيل.

- مولاه: المولى: من يتولى أمره.

المعنى الإجمالي:

بينت الآية السابقة أنه لا يعقل أن يسوى بين الله سبحانه وبين الأصنام، كما لا يعقل أن يسوى بين العبد العاجز عن التصرف وبين الحر الذي يفعل بماله ما يشاء من الخير.

ويضرب الله مثلا آخر على أنه لا يعقل أن يسوى بين الله سبحانه وبين الأصنام، كما لا يعقل أن يسوى بين الأبكم العاجز عن البيان، وزيادة على هذا العجز عن النطق فهو غبي لا يقدر على فعل شيء مفيد، لا يعقل أن يسوى بينه وبين الناطق الحكيم الذي يأمر بالعدل والخير، وهو أيضا ملتزم بهذا العدل والخير؛ لأنه على صراط مستقيم.

المعنى التفصيلي:

- (وضرب الله مثلا) الواو للعطف، أي وضرب الله مثلا آخر ليستدل به الكفار على أنهم مخطئون في مساواتهم بين الأصنام وبين الله سبحانه وتعالى.

- وجاء التعبير بـ "الضرب" وليس "الجعل"، وقد سبق بيان هذا في تفسير الآية السابقة.

- (وضرب الله مثلا) ذكر الاسم الظاهر (الله) رغم دلالة السياق عليه، ورغم أن الآية عطف على الآية السابقة (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ..... وضرب الله مثلا رجلين)، ولو جاءت الآية بالضمير المقدر لعلم المقصود، أي: "وضرب مثلا رجلين"، ولكن إقامة الاسم الظاهر مقام المضمر إنما جاء تفخيما للمثل المضروب بذكر ضارب المثل سبحانه وتعالى.

- (وضرب الله مثلا) وصف سبحانه وتعالى وصفا ليقيس عليه الكفار ما يفعلونه، فيعلموا أنهم مخطئون.

- أبهم المثل في قوله تعالى (ضرب الله مثلا)، ثم فسر بقوله تعالى (رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء) الآية، وهذا الإبهام للمثل ثم تفسيره، فيه ما فيه من تفخيم المثل وتعظيمه.

- (رجلين) بدل من (مثلا)، ولم يأت نص الآية السابقة بـ (رجلين)، وإنما جاء (عبدا)؛ لأن المثل المضروب في الآية السابقة إنما هو مثل عبد وحر، فهما مختلفين، بينما المثل في هذه الآية إنما هو مثل رجلين حرين.

- (أبكم) هو الذي لا يقدر على الكلام، ولكن هنالك فرق بين الأخرس والأبكم، فإن الأبكم هو من ولد وهو أخرس، ولذا فكل أبكم أخرس، وليس كل أخرس أبكم.

- (لا يقدر على شيء) حال هذا الأبكم ليست كحال أي أبكم، بل هو أبكم عاجز لا يقدر على تحقيق شيء، أي شيء؛ لأن (شيء) نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تدل على العموم، فهذا الأبكم لا يقدر على تحقيق شيء مما يرتجى من الرجال.

- وهذا الأبكم بسبب عجزه عن تحقيق أي شيء نافع، هو (كل على مولاه) أي عالة وثقيل على (مولاه) أي من يتولى شؤونه من أهله وقرابته.

- ومن الناس العاجزين من يكون عالة على أهله، ولكن أهله يوجهونه إلى تحقيق أشياء معينة تناسب وضعه، فقد يستخدمون هذا الأبكم في الرعي أو ما شابه ذلك من الأعمال اليدوية، ولكن هذا الأبكم الذي ضرب مثله عاجز أيما عجز؛ لأن مولاه (أينما يوجهه لا يأت بخير).

- (أينما يوجهه) أي هذا الأبكم لا يستطيع تحقيق المنفعة على اختلافها، لأنه عاجز عن الفهم والاستيعاب أيضا؛ لأنه غبي لا يفهم ما يراد منه - علما أن الأبكم الذكي يفهم ما يراد منه - والدليل على أنه لا يفهم ما يراد منه، هو كلمة (يوجهه)، أي: أن مولاه يعطيه المعلومات والتوجيهات لتحقيق أمر ما ولكنه لا يستفيد مما يعلم ويوجه إليه.

- (لا يأت بخير) أي لا يحقق منفعة، أي منفعة كانت؛ لأن (خير) نكرة في سياق النفي، والنكرة في سياق النفي تدل على العموم، فهذا الأبكم لا يقدر على تحقيق شيء مما يرتجى.

- ولكن ما الفرق بين (لا يقدر على شيء) وبين (أينما يوجهه لا يأت بخير)؟

الفرق بينهما أن قوله تعالى (لا يقدر على شيء) يدل على أن هذا الأبكم عاجز عن تحقيق أي شيء.

ولكن قوله تعالى (أينما يوجهه لا يأت بخير) يدل على أن هذا الأبكم عاجز عن تحقيق ما يبين له كيفية تحقيقه، أي أنه غبي لا يفهم، و (لا يأت بخير) مشعر بأن ضررا ما يقع بسببه.

- (هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم) أي أن هذا الأبكم العاجز الغبي لا يستوي ومن ينطق بالحكمة والفهم والعدل، وهو أيضا يسير على طريق الحق والصواب.

- (هل يستوي) استفهام إنكاري، والمقصود به الإنكار على المشركين الذين يسوون بين الخالق الحق الذي يأمر بالعدل والحق، وبين الأصنام البكم التي لا تنطق بحرف، ولا تقدر على تحقيق أمر لأحد، وإنما هي عالة على من يصنعها، ومن ينصبها، فهي بلا سدنتها لا شيء، وإذا طلب منها أمر لا تأت بخير، بل الضرر في توجيهها إلى أمر ما؛ لأنه طلب إلى الأصنام، وهذا الشرك بعينه.

- (هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل) ذكر الضمير (هو) ولم يأت النص بدونه "هل يستوي ومن يأمر بالعدل"؛ تأكيدا على سوء حال الأبكم، وعلى بعد الفرق بين المنطيق الحكيم الصالح، وبين الأبكم العاجز الغبي، كأن الآية تقول: هل يستوي هذا الأبكم المنصوص على عجزه وغبائه (ومن يأمر بالعدل)، فإن الضمير (هو) تأكيد للضمير المستتر.

- (ومن يأمر بالعدل) الفعل المضارع (يأمر) يدل على تجدد قول الحق من هذا الناطق، والعدل إنما هو الحق والصواب، فهو ناطق، وزيادة على نطقه حكيم ينطق بالحكمة، وأيضا يمارس هذا الخير، وليس أمره بالعدل واقعة قد مضت، كما أن عجز الأبكم ليس واقعة قد مضت، بل إن عجزه متجدد (لا يقدر على شيء) (لا يأت بخير)، وذلك لدلالة الفعل المضارع (يقدر) و (يأت).

- بينت الآية أسوأ حالة للأبكم، وبينت في المقابل أحسن حالة للناطق، وأحسن حالة للناطق هي أن يأمر بالعدل، وهو الحق، ولذا فإن أعلى أعمال اللسان على الإطلاق هو النطق بالحق، ويندرج تحت النطق بالحق: الدعوة إلى التوحيد والذكر والخير والعدل والنصيحة، وغير ذلك من صور الحق.

- (وهو على صراط مستقيم) وهذا الآمر بالعدل يسير على صراط مستقيم في تحقيق الخير، لا كالأبكم يسير على طريق معوج؛ لأنه لا يفهم شيئا، ولا يملك حكمة.

- لماذا قدم ذكر مثل الأبكم على الناطق؟

قدم مثل الأبكم على الناطق؛ لأن سياق الآية منصب على إنكار رفع الأصنام عن الحضيض الذي هي فيه، ومنصب على بيان عجز الأصنام، وليس منصبا على بيان عظمة الله، مع أن الآية تبين الأمرين، وللتوضيح أقول: المعنى الرئيسي في الآية هو إنكار تعظيم الأصنام ومساواتها بالله سبحانه وهي لا شيء، وليس المعنى الرئيسي تفصيل جوانب عظمة الله سبحانه وتعالى، ولذا قدم ذكر مثل الأبكم العاجز إمعانا في انتقاص الأصنام.

- لماذا قدمت الآية السابقة (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء) الآية (75) على هذه الآية (وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء) الآية (76)، وبصيغة أخرى:

- لماذا قدم مثل "العبد والحر" على مثل "الأبكم والناطق"؟

قدم مثل "العبد والحر" على مثل "الأبكم والناطق"؛ لأن مثل "العبد والحر" منتشر في بيئة مكة والعرب في ذلك الزمن أكثر من انتشار حالات البكم، فإن العبيد في مكة كانوا بالمئات، والأحرار فوق ذلك، بينما البكم قد لا يتعدون أشخاصا معدودين، ومن الأساليب التعليمية في إيصال المعلومة: الابتداء بالأوضح قبل الواضح، وبالأظهر قبل الظاهر، فحالة "العبد والحر" يعايشها كل من في مكة، بينما حالة "الأبكم والناطق" يعرفها من في مكة ولكن لا يعايشونها معايشة حالة "العبد والحر".

ولذا ضرب القرآن في البداية مثلا يعايشه العرب قاطبة بشكل يومي متكرر، ثم ضرب المثل الآخر الذي لا يعايشه كل العرب كالمثل الأول؛ لأن الإقناع هو المقصود بالمثل، فكلما عايش الإنسان المثل كان أكثر تأثرا به.

<<  <   >  >>