<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون) (78)

المفردات:

- الأفئدة: جمع: فؤاد، والفؤاد هو: القلب، ومعناه - هنا - الإدراك.

المعنى الإجمالي:

توعدت الآية السابقة المشركين على ما هم فيه من الشرك، وتتابع هذه الآية عرض الأدلة على أن الله سبحانه هو الخالق وحده، وأنه المستحق للعبادة وحده.

فالله وحده هو الذي أخرجنا من بطون أمهاتنا بعد أن خلقنا من نطفة، وأخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئا، ولكنه سبحانه علمنا ما ينفعنا، وجعل لنا السمع والأبصار والعقول؛ لندرك بها ما حولنا، وما كل ذلك إلا لنشكره وحده على ما أنعم علينا.

المعنى التفصيلي:

- (والله أخرجكم) الواو للعطف على (والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا) (72)؛ حيث تكمل هذه الآية عرض الأدلة الموجبة لعبادة الله وحده عن طريق بيان خلق الله وقدرته.

ويذكر بعض المفسرين أن هذا العرض يبدأ من الآية (65) من قوله تعالى (والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون)، ولكن الصحيح أن عرض الأدلة الموجبة لعبادة الله وحده عن طريق بيان خلق الله وقدرته بدأت من أول السورة من قوله تعالى:

(خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6))

وآيات سورة النحل إنما هي لإقامة الأدلة على توحيد الله عن طريق عرض صور عظيم خلقه سبحانه وتعالى، وعن طريق رد مزاعم أهل الشرك وإبطالها، وعن طريق توعد المشركين بالعذاب.

- (والله أخرجكم) جاء لفظ الجلالة مبتدأ وخبره جملة فعلية، من باب الاختصاص، وبتعبير آخر: إن قلنا "وأخرجكم الله" لا يدل على اختصاص الإخراج بالله سبحانه كما يدل عليه قوله تعالى (والله أخرجكم)، فمعنى (والله أخرجكم) هو أن الله وحده من أخرجكم من بطون أمهاتكم، وليس هناك من يفعل هذا غيره.

- (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم) الإخراج في اللغة ضد الإدخال، وكلنا يعلم معنى أن الله هو من أخرجنا من بطون أمهاتنا، ولكن ليس معنى الإخراج - فقط - هو مجرد خروج الطفل من بطن أمه عن طريق ما جعل الله في جسم الأم من قدرة لدفع مولودها إلى الخارج، لا، ليس هذا هو المراد فقط؛ لأنه لا بد أن نعلم أن الأم قد تدفع مولودها إلى الخارج فيخرج ميتا، ولكن المراد من ذلك هو إخراجه من بطن أمه بحياة مستقلة عن أمه؛ لأن من النساء من لا تلد إلا بعملية جراحية، ويكون الإنسان هو من أخرج المولود من بطن الأم، ولم يخرج المولود بصور طبيعة، فالإخراج - هنا - ليس هو - فقط - مجرد خروج الطفل من بطن أمه، ولكن المراد من ذلك هو إخراجه من بطن أمه بحياة مستقلة عن أمه، فما أن يخرج المولود إلا ويستقل بحياة خاصة، فيتنفس باستقلالية عن أمه، ويهضم الطعام، وتعمل أجهزة جسمه باستقلالية عن التبعية التي كانت تعمل به وهو في بطن أمه.

- (من بطون أمهاتكم) والمقصود بالبطون: الأرحام؛ وذكر البطن؛ لأنه مكان الرحم، ويصدق على المولود أنه خرج من رحم أمه أو خرج من بطنها.

- قد يرد سؤال: من هي الأم في مسألة اسئتجار الرحم؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من بيان معنى استئجار الرحم، وحكمه بشكل موجز.

أما عن معنى استئجار الرحم، فمعناه أن امرأة لا يثبت الحمل في رحمها تلجأ إلى امرأة أخرى، فتلقح بويضتها مع زوجها وتزرع في رحم المرأة الأجنبية.

وأما عن حكم هذا العمل، فهو عمل ظاهر الحرمة أن تدخل امرأة فرجها نطفة رجل أجنبي أو امرأة أجنبية، قال تعالى (والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7)) (المؤمنون)

ولكن لنفرض أن هذا وقع، فمن هي الأم؟

الأم هي من ولدت، وهذا مستنبط من قوله تعالى (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم) فالتي يخرج المولود من بطنها هي الأم، وهناك آية أخرى تدل على هذا، وهي قوله تعالى (إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم) (المجادلة: 2) أي ما الأم إلا التي ولدت.

أما بالنسبة للأم صاحبة البويضة، فإنما يحرم عليها كما يحرم بالرضاع؛ لأن كون البويضة منها فإنما هو أمر أظهر من الرضاع، لأن ذات المولود مكون من بويضتها، وليس أن جسمه غذي بلبنها فقط.

- جملة (لا تعلمون شيئا) حال من الضمير في (أخرجكم)، فالمولود عند خروجه من بطن أمه لا يعلم شيئا، وما يفعله المولود من الصراخ ومصه اللبن من ثدي أمه، إنما هذا من الفطرة لا من العلم؛ لأن العلم كسبي؛ لأنه لا علم إلا بتعلم.

و (شيئا)؛ يدل على النفي العام لأي علم عند هذا المولود.

- (وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة) أي علمكم سبحانه وتعالى عن طريق ما جعل لكم من منافذ المعرفة.

وجاء التعبير بالجار والمجرور (لكم) مع تقديمه؛ للدلالة على العناية والرعاية.

- ولكن لماذا الترتيب بين السمع والأبصار والأفئدة؟

لعل الترتيب بين السمع والأبصار والأفئدة إنما هو ترتيب إيجاد، فأول ما يدرك به المولود هو السمع، وبعدها بفترة البصر؛ لأن الإدراك بحاسة الإبصار عنده في أيامه الأولى غير مكتملة بعد، ثم تتكون عنده - بعد ذلك - الإدراكات الأخرى من مفاهيم وأحاسيس ومعرفة، وهذا التعقل إنما هو الفؤاد.

- ولكن هل عطف جملة (وجعل لكم) على (أخرجكم) يدل على أن خلق السمع للطفل كان بعد خروجه من بطن أمه؟

العطف لا يدل على أن خلق السمع للمولود كان بعد خروجه من بطن أمه؛ بل العطف عطف خبر على خبر، وليس للترتيب، وذلك لأن الجنين حين يولد تكون حاسة السمع عنده قد اكتملت.

وقيل: إن تقديم السمع على البصر لأن مركز السمع في الدماغ متقدم على مركز البصر، بينما الفؤاد وهو مركز الإدراكات إنما هو في داخل الدماغ، ولذا أخر ذكره.

وقالوا: أما الآذان وهي من أعضاء السمع فإنما أخر ذكرها عند ذكر الأعين؛ لأن الأعين متقدمة عليها في الرأس، قال تعالى (ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) (الأعراف: 179).

قلت: وهذا القول فيه نظر؛ لأن الآية بأكملها (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون) (الأعراف: 179).

فهل تقديم ذكر القلب على الأعين يدل على أن مكان القلب متقدم على مكان العين، أقول: لا، بل التقديم جاء لأمور أخرى، وهذه الأمور تفهم من خلال سياق كل آية، ولو أردت أن أجمع الآيات التي ذكر فيها السمع والبصر أو العين والأذن، وأدرس سياق كل آية وأتكلم عنها؛ لخرج الأمر عن الحد المقبول ضمن هذا البحث؛ لأن المقصود هو تفسير الآية (78) من سورة النحل.

لماذا إفراد "السمع" وجمع "الأبصار"؟

قيل: أفرد السمع لأنه مصدر، والأصل فيه الإفراد، أما الأبصار فإنما هي اسم ومفردها بصر.

وهذا غير صحيح؛ لأنه قد ورد في المعاجم اللغوية كـ "الفائق" للزمخشري، و" القاموس المحيط" للفيروزأبادي، وغيرهما أن البصر مصدر، يقال: بصر - أو بصر - بصرا. ويجوز في المصدر الجمع والإفراد، ولذا لا مانع من جمع "السمع".

ويبقى السؤال قائما؟

وقد قرأت معلومات عن دماغ الإنسان، فسر بها بعض المفسرين المعاصرين سبب إفراد "السمع" وجمع "الأبصار"، ولكن هذه المعلومات لا يؤمن عليها من التغيير؛ لأنها لم ترتق لتكون قواعد علمية بدهية مسلمة، حتى نفسر بها القرآن، أما أن نفسره اليوم بمعلومة علمية ثم نغير التفسير مع تغيير المعلومة، فهذا أمر بعيد عن الصواب.

ولكن قد نقول: إن مما يدركه الواحد فينا أننا لا نستطيع أن نسمع لشخصين يقصان قصتين مختلفتين في نفس الوقت؛ لأن صوت كل واحد منهما يشوش على صوت الآخر، ولذا فهو "سمع" بالإفراد.

بينما نستطيع أن نرى عدة أشياء في وقت واحد، فإننا ننظر إلى سيارة زرقاء اللون، وإلى زجاجها الأسود، دون أن يشوش النظر إلى لون السيارة على النظر إلى لون الزجاج، ولذا فهو "أبصار" بالجمع.

- (لعلكم تشكرون) هذه النعم التي أنعمها الله علينا لهي أكبر حافز لنا على شكره جل في علاه، وشكر الله إنما يكون بعبادته وفق ما أراد، نعبده موحدين له، طائعين لشرعه.

وختمت هذه الآية التي تتحدث عن السمع الأبصار والأفئدة باستحقاق الشكر لله؛ لأنها نعم نستخدمها في كل ساعة، بل في كل لحظة، لأن من النعم ما لا يستخدمه الإنسان إلا في أوقات متفرقة، بينما هذه النعم لا تفارقنا لا في الليل ولا في النهار، فهي أدعى أن تذكرنا بشكر خالقنا على ما أنعم علينا، وانظر في الآيات الأخرى التي تتكلم عن هذه النعم، انظر فيها كيف أنها تدعونا إلى شكر الله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى:

(وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) (المؤمنون: 78)

(ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) (السجدة: 9)

(قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون) (الملك: 23)

<<  <   >  >>