<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) (79)

المفردات:

- مسخرات: مذللات.

- جو: الفراغ الذي فوق الأرض.

- يمسكهن: يحفظهن من الوقوع.

- آيات: علامات.

المعنى الإجمالي:

وتتابع الآيات بيان عظيم خلق الله الدال على أنه المستحق للعبادة وحده، وينكر الله على الكفار تعاميهم عن آية عظيمة دالة على كمال قدرته وعظيم خلقه، وهي آية طيران الطيور التي تحلق في السماء، وترتفع هذه الطيور في الجو، ولولا حفظ الله لهذه الطيور لسقطت، ولكنها محفوظة لما أودعه الله سبحانه في هذه الطيور، ولما أودعه الله في عناصر هذا الجو من خصائص.

وهذا الأمر الذي يراه الكفار ولا يتعظون به، أما المؤمنون فلهم به آيات، لا آية واحدة؛ لأنهم يحرصون كل الحرص على الإيمان.

المعنى التفصيلي:

- (ألم يروا) هذا الاستفهام إنما هو استفهام إنكاري، فكأن الكفار لا يرون هذه الطيور التي تحلق في السماء، لأنهم لو كانوا يرونها، فإنهم سيستدلون بها على استحقاقه سبحانه وتعالى للعبادة وحده.

- وقرأ جمهور القراء بالغيبة (يروا)؛ وذلك إعراضا عن المشركين؛ لأن أسلوب الآية السابقة هو أسلوب الخطاب (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم .... لعلكم تشكرون) (78)

وقرأ ابن عامر وحمزة (تروا) بتاء الخطاب على نفس أسلوب الآية السابقة؛ وذلك توبيخا للمشركين.

- المقصود بقوله تعالى (الطير) كل ذي جناح يسبح في الهواء، ولا يدخل في مقصود الآية ما تعارف عليه الناس من التقسيمات العلمية الحديثة للطيور، لأنهم يدخلون الدجاج في مفهوم الطير، والمقصود بالآية ما يطير في الهواء ويسبح، قال تعالى ( ... ولا طائر يطير بجناحيه ... ) (الأنعام: 38)

- (مسخرات) اسم مفعول من الفعل "سخر"، فالطير مذللة لأن تطير، ومنقادة لأن تسبح في الهواء، فطيران هذه المخلوقات وتحليقها في الجو إنما هو بسبب تسخير الله هذه الحيوانات لتكون طائرة.

- (في جو السماء) الجو هو الفضاء الذي فوق الأرض، وهو ما يطير فيه الطير من الهواء القريب من الأرض، وفسره بعض أهل اللغة والتفسير بالهواء، ولا بد من الإشارة إلى أنهم لا يقصدون بالهواء هذه الرياح التي تحتوي على الأكسجين، وإنما يقصدون به هذا الفراغ السماوي، وهو ما يعرف بالفضاء؛ لأن الهواء - كما في المعاجم اللغوية - كل فارغ فهو هواء، قال تعالى (وأفئدتهم هواء) (إبراهيم: 43) أي: فارغة خالية، وقد ظن بعض المفسرين أن الهواء هو الغازات الموجودة في الغلاف الجوي، وهذا ليس صحيحا.

- وأضيف الجو إلى السماء؛ لأن جو الشيء داخله، يقال: جو البيت، أي: داخله، فمعنى (جو السماء) أي: الفراغ السماوي؛ وإضافة الجو إلى السماء يدل على علو هذا الفراغ.

- (ما يمسكهن إلا الله) فلا يحفظ الطير عن السقوط إلا حفظ الله وحده؛ لأنه هو الإله الحق، وأما غيره، فلا شأن له بهذا الحفظ؛ لأنه لا شأن له في الألوهية.

- وتوحيد الله في حفظ الطير لا ينفي أن الله سبحانه خلق سننا في الكون تحفظ الطير عن السقوط، أما ما يتعلق به الماديون من أن الأسباب المادية هي التي تحفظ الطير، فنقول لهم: إن الذي خلق الأسباب كلها هو الله سبحانه، والفاعل الحقيقي هو الله خالق الأسباب والمتصرف فيها.

وأكبر مثال هذه الطائرات التي صنعها الإنسان بما آتاه الله من العلم، إنما تطير وتحلق بالسماء بما أودعه الله في الأشياء من خصائص، فالله هو الحافظ بما أودع من خصائص، ولولا هذه الخصائص المودعة، لم يطر طائر ولم ترتفع طائرة.

- ولكن لماذا جاء التعبير بلفظ الجلالة (الله) في هذه الآية (ما يمسكهن إلا الله)، بينما جاء التعبير باسم الله (الرحمن) في سورة (الملك:19) (ما يمسكهن إلا الرحمن)؟

جاء التعبير بلفظ الجلالة (الله) في هذه الآية (ما يمسكهن إلا الله)؛ لذكر التسخير في الآية (مسخرات)، ومثل هذا قوله تعالى:

(ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض ... ) (الحج: 65)، (ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض .. ) (لقمان: 20)، (الله الذي سخر لكم البحر ... ) (الجاثية: 12) بينما لم يقترن التسخير باسم (الرحمن)، وقد تتبعت ذلك في القرآن، وذلك لما في التسخير من القهر، وهذا لا يتناسب وذكر الرحمة، بل يتناسب وذكر لفظ الجلالة (الله) الذي يدل على الألوهية والتسخير والتصرف.

ولذا جاء التعبير في سورة (الملك:19) (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير) فجاء التعبير عن الطير بما يفعل (صافات ويقبضن) وجاء التعبير في سورة النحل بقهر الطير وتسخيره لا بفعله (مسخرات).

- جاءت جملة (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) غير معطوفة على ما قبلها؛ لأنها جاءت في مقام الجواب عن الذي قبلها (ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله)؛ لأن هذا يثير تساؤلا: أكان عدم الاتعاظ عاما؟ ولذا جاء الجواب بأن الذين آمنوا يتعظون بما يرون.

وهذا ما يسمى في علم المعاني بالفصل لشبه كمال الاتصال، لأن الجملة الثانية وقعت جوابا نتج عن الجملة الأولى فلم تعطف على الأولى.

- (إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون) (إن) للتأكيد على أن المؤمنين هم من يتعظون، وليسوا مثل الكفار.

- (لآيات) وليس "آية"؛ لأن في خلق جسم الطير مناسبا للطيران آيات، وفي خلق الخصائص المودعة في الجو آيات أخرى.

ومجال معرفة هذه الآيات هو دراسة الأبحاث العلمية عن الطيور وتحليقها، ومن طالع هذا المجال رأى الكثير الكثير من الآيات.

- (لقوم يؤمنون) لماذا يتعظ المؤمنون بما يرون؟

يتعظ المؤمنون بما يرون لأنهم يريدون الله جل في علاه، ويحرصون على الإيمان وعلى ما يزيده، ولذا يرون آيات الله الدالة عليه في كل شيء، حتى تلك الأشياء التي اعتاد البشر رؤيتها، وأغمضوا عيون قلوبهم عن التفكر فيها.

ومن عجيب الأمر أن قوم موسى - عليه السلام - انبهروا بما رأوا من خلق الحية من العصا، ولو تفكروا لرأوا ذلك في أبنائهم الذين يخلقون من النطف، ولرأوا ذلك في الدجاجة التي تخرج من البيضة الميتة.

فعلينا أن نتفكر فيما حولنا مما اعتدنا رؤيته، فإن اعتياد رؤية الشيء لا يلغي الاعتبار به، وإنما يتعامى من يتعامى، أعاذني الله وإياك من ظلمة القلب!

<<  <   >  >>