<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين) (80)

المفردات:

- سكنا: استقرارا وسكينة.

- تستخفونها: تجدونها خفيفة.

- الأنعام: الإبل والبقر والغنم والمعز.

- يوم ظعنكم: يوم ترحالكم وسفركم.

- أثاثا: متاع البيت الكثير.

- متاعا: انتفاعا.

المعنى الإجمالي:

وتتابع الآيات بيان عظيم خلق الله الدال على استحقاقه للعبادة، فالله سبحانه وتعالى وحده من جعل لنا من بيوتنا مكان راحة واستقرار وسكينة، وجعل لنا من جلود الأنعام بيوتا متنقلة، نستفيد من خفتها في السفر والحضر، فننقلها بسهولة كما نشاء، ونرفعها بسهولة - أيضا - وقت نشاء.

وجعل لنا سبحانه وتعالى من أصواف الغنم وأوبار الإبل وأشعار المعز أثاثا لبيوتنا من أردية وأغطية وأكسية وفرش وزينة، ولنا فيها - أيضا - متاع نتمتع به ولكن إلى وقت معلوم، وزمن محدد.

المعنى التفصيلي:

- الواو في قوله تعالى (والله) للعطف، أي ومن نعمه سبحانه وتعالى عليكم أيضا، أن جعل لكم من بيوتكم سكنا.

- (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا) أي هو وحده سبحانه وتعالى الذي جعل لكم من بيوتكم سكنا، ولم يشاركه أحد، فكيف تشركون بالله سبحانه وهو المنعم وحده؟!

ولو قلنا في غير التنزيل "وجعل الله لكم" لما أفادت ما أفادته الآية من التعظيم لقدرة الله، ومن تخصيص تفرده بالتصرف بالخلق، وأنه ليس له شريك سبحانه.

- (جعل) لها عدة معان، ومعناها هنا هو: إيجاد شيء من شيء وتكوينه منه، كما في قوله تعالى (جعل لكم من أنفسكم أزواجا) فالأزواج لم تخلق ابتداء بل جعلت من أنفسنا.

وتأمل معي - بارك الله فيك - في قوله تعالى (والله جعل لكم مما خلق ظلالا) (النحل: 81) فالله سبحانه وتعالى خلق الأشياء وخلق الظلال، ولكن خص إيجاد الظلال بـ "جعل"؛ لأنه إيجاد شيء من شيء، حيث أوجد الظلال من إيجاد الأشياء، وفي هذه الآية (والله جعل لكم من بيوتكم سكنا)، حيث أوجد الله لنا السكن من إيجاد البيوت.

وقد يطلق الخلق على الجعل أيضا، قال تعالى (خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها) (النساء: 1)

- وذكر (لكم) مع أنه معلوم من السياق؛ للامتنان، ولبيان كمال العناية الربانية بالخلق، وأنهم رغم كل هذه العناية فهم يشركون بالله سبحانه وتعالى.

- (من بيوتكم سكنا) أصل البيت: المكان الذي يؤوى إليه بالليل؛ يقال "بات"، أي: أقام بالليل، و "ظل"، أي: بالنهار.

ويطلق على البيت هذا الاسم دون اعتبار للإقامة به ليلا، ولكن في بيان أصل الكلمة بيان لدقة التعبير بها في السياق القرآني، فأحوج ما يكون الإنسان للمأوى في الليل، ولذلك فإن التعبير بالبيت يشير إلى فائدة الإيواء إليه ليلا والاحتماء به عن الشرور والأخطار، لما في الليل من انتشارها.

- أصل السكن: ثبوت الشيء بعد تحرك. ونحن إذ نثبت في بيوتنا فإنما ذلك بعد انتقال وأعمال.

وللسكن في هذه الآية معنيان: الأول: السكون والراحة، والثاني: بمعنى المفعول، أي مكان يأوي إليه الإنسان.

وكلا المعنيين: السكن النفسي والسكن المادي واردان في سياق سكن البيوت، وليس واحد منهما فقط، بل هما معا، ولأجل ذلك قال تعالى (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم) ولم يذكر أمر السكن فيها؛ لأنها بيوت للإيواء المادي فقط، والميزة فيها سهولة الانتقال بها وسهولة إقامتها، أما بيوت الحضر المبنية فهي للسكن المادي والنفسي معا، ولذا فإنه يعتنى فيها بكل وسائل الراحة، لأن المقصود منها ليس فقط السكن المادي، وإنما أيضا السكن النفسي، والذي هو الراحة والاستقرار والأمان.

- وقد يقال: إن بعض الناس لا يستطيعون أن يتحصلوا على السكن المادي ولا النفسي في بيوتهم، وذلك لأسباب، كالحروب وانعدام الأمن، والمشاكل الزوجية، فما المقصود من إطلاق السكن على البيوت؟

المقصود هو كلا المعنيين: السكن النفسي والسكن المادي، وهذا هو الأصل في البيوت، وما كان غير ذلك فهذا خلاف الأصل لظروف استثنائية، كما أن الله سبحانه يمن علينا بنعمة البصر والسمع والكلام والأزواج والذرية، ومن الناس من لا يملك هذه النعم، ولكن الغالب من أحوال البشر أنهم يملكونها، فالخطاب على وفق الغالب.

- ولكن كيف جعل الله لنا من بيوتنا سكنا ونحن الذين نبنيها؟

جعل الله سبحانه لنا من بيوتنا سكنا ونحن الذين نبنيها؛ بأن خلق لنا كل ما تبنى به البيوت، وألهمنا وعلمنا كيف نبنيها، ولولا هذا الإيجاد وهذا التعليم لما استطعنا أن نبني بيوتا لتكون سكنا لنا، وإنما هي رحمة الله وإيجاده وخلقه.

- (من) في قوله تعالى (من بيوتكم سكنا) إما أن تكون بيانية أو ابتدائية، فإن كانت بيانية فإن السكن هو البيت، أي السكن هو الموضع الذي تسكنونه، فيكون التقدير: جعل لكم سكنا وهو بيوتكم.

وإن كانت "من" ابتدائية، فتكون البيوت شيء غير السكن، ويكون السكن ناشئا عن البيوت، كقوله تعالى (وما بكم من نعمة فمن الله ... ) (النحل: 53) (من الله) أي أن النعمة ناشئة عن الله وواصلة إلينا منه جل جلاله.

وكون "من" ابتدائية أظهر؛ لأن الامتنان في هذه الآية هو بنعمة السكن الناشئة من نعمة البيوت، وليس بالبيوت فقط، فهما نعمتان، نعمة ناشئة عن نعمة.

والامتنان بالنعمة الناشئة "السكن"، يتضمن الامتنان بالنعمة التي نشأت عنها "البيوت"، ولذا لم تأت الآية " جعل لكم من الحجر بيوتا ".

- قدم الجار والمجرور (من بيوتكم سكنا) لبيان أن هذا الجعل أمر عجيب، وعجيب هذه النعمة أنها ناشئة عن بيوتنا، ولو كان النص في غير التنزيل: "والله جعل لكم سكنا من بيوتكم" لكان الامتنان بالسكن دون بيان أن هذا الجعل أمر عجيب.

- (وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا) قدم الجار والمجرور؛ لأن الامتنان بالبيوت والجلود، مع بيان عجيب هذه النعمة وأنها ناشئة عن جلود الأنعام.

- ويقاس على هذا الجعل كل هذه الصناعات والاختراعات التي عملها الإنسان، من المذياع والتلفاز والهاتف المتنقل، والهاتف الثابت، والكهرباء، وذلك بأن نقول:

" والله جعل لنا من المغناطيس كهرباء تنير لنا، وتدفئنا، ولنا فيها منافع أخرى، وجعل الله لنا من المعدن والبلاستيك هاتفا نحمله نتكلم به مع من بعد مكانه عنا كأنه عندنا، نسمع كلامه ويسمع كلامنا "

وعلى هذا فقس بارك الله فيك؛ فنحن وما نصنع كلنا خلق الله (قال أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96)) (الصافات).

- (تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم) أي تجدون هذه البيوت المصنوعة من جلود الأنعام، تجدونها خفيفة في الترحال والإقامة.

- وقدم ذكر الترحال على الإقامة (يوم ظعنكم ويوم إقامتكم)؛ لأن الحاجة إلى هذه البيوت الخفيفة في السفر أعظم منها في الإقامة.

- خصت البيوت المبنية بأنها سكن دون البيوت المصنوعة من جلود الأنعام؛ لأن الميزة في جلود الأنعام هي خفتها لا السكن؛ ولأن بيوت الجلد لا تحمل معاني السكن التي تحملها البيوت المبنية.

- (ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا) أي أن الله سبحانه جعل من أصواف الغنم، ومن أوبار الإبل، ومن شعر المعز أثاثا، والأثاث هو متاع البيت الكثير، من أغطية وبسط ووسائد وغير ذلك من أثاث المنزل المصنوع من هذه الأشياء.

- وأصل الأثاث في اللغة من أث الشيء إذ كثر.

- (ومتاعا إلى حين) أي جعل الله سبحانه لنا من الصوف والوبر والشعر ما ننتفع به، وهذا الانتفاع له أمد وينتهي، وأجل وينقضي، واختلف في تحديد الحين، أهو الموت أم إلى حين الاستهلاك والبلى؟

وعلى كل فإن المتاع ليس بدائم على كل وجه، ولذا تأمل - بارك الله فيك - في هذه الآيات التي ذكرت التمتع كيف أنها قيدته بأنه غير دائم، وما ذلك إلا لأن الإنسان في غمرة التمتع قد يغفل عن مصيره، وقد يظن بأن هذا التمتع دائم.

قال تعالى:

(ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين) (البقرة: 36) (الأعراف: 24)

(فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين) (يونس: 98)

(إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين) (يس: 44)

(فآمنوا فمتعناهم إلى حين) (الصافات: 148)

- الأثاث من زمرة المتاع، فلماذا ذكر أولا ثم ذكر المتاع (أثاثا ومتاعا إلى حين)؟

ذكر الأثاث أولا مع أنه من زمرة المتاع؛ لأن سياق الآية عن البيوت، فناسب الكلام في البداية عن ما يخصها، ثم ذكر العام، وهو المتاع من باب بيان عموم النعمة.

<<  <   >  >>