<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين) (82)

المفردات:

- تولوا: أعرضوا.

- البلاغ: إيصال الخبر.

- المبين: الواضح.

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآيات السابقة نعم الله الموجبة لتوحيده وعبادته، جاءت خاتمة الآية السابقة ببيان أن نعمة الدين هي تمام نعم الله، وما أنعم الله علينا بنعمة الدين إلا لنسلم لرب العالمين (كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون).

وهذه الآية تسلية وتأنيس للنبي صلى الله عليه وسلم، لئلا يصاب النبي صلى الله عليه وسلم بالحزن والغم بسبب إعراض الكفار عن نعم الله، فأخبره الله سبحانه وتعالى بأنك يا محمد معذور لا تكلف إدخال الإيمان إلى قلوب العباد؛ لأنه ليس عليك إلا البلاغ الواضح.

المعنى التفصيلي:

- الفاء في قوله تعالى (فإن تولوا) للتفريع، أي بناء على أن الله سبحانه أتم نعمته ببيان الدين، فلا تحزن لإعراض الكفار بعد البيان، فأنت معذور.

- (تولوا) فعل ماض، وقيل: يحتمل أنه فعل مضارع "تتولوا" حذفت التاء الأولى، مثل "تذكرون" و " تتذكرون"، و"تنزل" وتتنزل".

ولكن الظاهر أن الفعل هو فعل ماض؛ وانظر معي في سياق هذه الآية مع الآية السابقة على فرض أنه فعل مضارع (كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون فإن) تتولوا (فإنما عليك البلاغ المبين)، حيث جاء الفعل المضارع "تتولوا" موجها للكفار بمعنى التهديد، ولكن لا يوجد جواب شرط يناسب هذا التهديد.

وأما القول بأن (تولوا) هو فعل ماض، فهو المناسب للسياق؛ لأن الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تسلية له، وهذا يناسب أن يخبر عن الكفار بأسلوب الغيبة (تولوا) ومع النبي صلى الله عليه وسلم بأسلوب الخطاب (عليك)، فهو خطاب مع النبي مباشرة دون حواجز من أساليب الخطاب.

- (تولوا) أصل مادة "ولي" القرب، و"تولى" إن عدي بنفسه - أي أخذ مفعولا به دون الحاجة إلى حرف - دل على الولاية والقرب، نقول: تولى الأمر، وإذا عدي بـ "عن" صار معناه البعد، نقول: تولى عن الأمر، أي تركه وابتعد.

ولكن ما الفرق بين "أعرضوا" و"تولوا

أعرض عنه: أظهر له عرضه، إذ تركه. ولكن "تولى عنه " فيها زيادة معنى عن الإعراض؛ لأن التولي عن الشيء يقتضي الإعراض عنه، ويقتضي فوق الإعراض البعد.

وخلاصة القول: إن الفعل "تولى" ينبئ عن البعد زيادة عن الإعراض.

أي يا محمد لو أعرض الكفار عن الحق وزادوا بأن تولوا عنه، فأنت معذور، إذ ليس عليك إلا البلاغ فقط.

- (فإنما عليك البلاغ المبين) جواب للشرط (فإن تولوا)، والمفهوم من قوله تعالى (فإنما عليك البلاغ المبين) أي أنت معذور؛ لأنك لا تكلف إدخال الإيمان إلى قلوب العباد، فيصبح معنى الآية: فإن تولى الكفار عن الدين فأنت معذور لأنه ليس عليك إلا البلاغ.

- استدل بعض الجهلاء بقوله تعالى (فإنما عليك البلاغ المبين) على أن عمل النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو البلاغ فقط، ولذا فليس القتال من أسلوب النبي صلى الله عليه وسلم، وتناسوا كل النصوص التي تبين وظائف النبي صلى الله عليه وسلم الأخرى، من حكمه للمسلمين وقضائه، وإقامة الحدود، وإعلان الجهاد.

ولكن كيف يفهم هذا القصر (فإنما عليك البلاغ المبين)؟

القصر في اللغة يأتي بمعنى التخصيص، وينقسم إلى قصر حقيقي، وقصر إضافي.

ومثال القصر الحقيقي "لا إله إلا الله" أي لا معبود بحق إلا الله، وهذه حقيقة مطلقة سواء ذكرت مفردة، أو كانت في أي سياق أو أي موضوع.

والقصر الإضافي ليس قصرا حقيقيا عاما من جميع الوجوه، بل جاء قصرا بالإضافة إلى السياق والموضوع.

ومثاله (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم .... ) (آل عمران: 144) فالقصر (وما محمد إلا رسول) إضافي؛ لأن للنبي صلى الله عليه وسلم صفات أخرى غير أنه رسول، فهو عربي وزوج وأب، ولا يشترط في النبي أن يكون عربيا أو زوجا أو أبا، فمن الأنبياء من ليس عربيا ومنهم من لم يتزوج أو يرزق ذرية، ولكن هذا القصر جاء بالإضافة إلى الموضوع، فهو قصر إضافي وليس مطلقا عاما.

وموضوع الآية هو الرد على من يستبعدون أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم، والرد هو (وما محمد إلا رسول) كمن سبقه، يموت كما مات من سبقه.

وقوله تعالى (فإنما عليك البلاغ المبين) قصر إضافي بالنسبة إلى الموضوع، والموضوع هو تسلية النبي صلى الله عليه وسلم بسبب تولي الكفار عن الحق، فأخبره الله بأنك لا تكلف إدخال الإيمان في قلوبهم، بل عليك البيان.

- (فإنما عليك البلاغ المبين) رسالة إلى الدعاة بأن لا يصابوا باليأس من قلة المستجيبين ولا بالقنوط من قلة السامعين، ولا بالحزن من كثرة الهالكين، بل عليهم أن يستمروا على ما هم عليه من البلاغ.

- (البلاغ المبين) ليعلم الدعاة أن مطلق البلاغ لا يكفي، بل لا بد أن يكون بلاغا واضحا، تقام بمثله الحجة، فيبلغ عامة الناس بما يناسبهم من البيان والأسلوب، ويبلغ خاصتهم وعلماؤهم بما يناسبهم، وبغير هذا لا يكون البلاغ مبينا.

<<  <   >  >>