<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون) (86)

المعنى الإجمالي:

وهذه الآية تكملة لتسلية النبي - صلى الله عليه وسلم - ببيان حال مكذبيه يوم القيامة.

فإذا رأى المشركون بالله يوم القيامة ما كانوا يعبدون من أصنام وأوثان قالوا: يا ربنا هؤلاء هم شركاؤنا، فقد كنا نعبدهم من دونك، فينطق الله المعبودين، فيكذب المعبودون المشركين في دعواهم؛ لأنهم لم يشاركوا المشركين ما هم فيه من الشرك، وإنما اتخذهم المشركون من تلقاء أنفسهم، لذا؛ فلا شأن لهم في قضية الشرك من قريب أو بعيد (ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون (5) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين (6)) (الأحقاف)

المعنى التفصيلي:

- (وإذا) الواو للعطف، أي: ومن الفظائع التي ستقع للمشركين أن يتبرأ منهم المعبودون. و (إذا) ظرف للزمن المستقبل متضمن معنى الشرط، وجوابه (قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك).

- ذكر قوله تعالى (الذين أشركوا) في قوله تعالى (وإذا رأى الذين أشركوا) ولم يكتف بالضمير العائد على ما في الآية السابقة؛ لأن الإظهار في موضع الإضمار لتأكيد المعنى.

وثانيا: فإن المذكور في الآية السابقة (وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85)) هم (الذين ظلموا)، وذكرهم في سياق استحقاق العذاب مناسب؛ لأن للظلم صورا كثيرة؛ ولأجل هذه الصور الكثيرة استحق الظالمون العذاب، بينما هذه الآية تتكلم عن تبرؤ المعبودين ممن أشرك مع الله وعبدهم، ولذا ناسب وصفهم بـ (الذين أشركوا)؛ لأن الشرك نوع من الظلم، فذكر الجانب الأخص في التعبير.

- (شركاءهم) أي الذين عبدهم الكفار دون الله سبحانه وتعالى، وأضيفوا إلى الكفار؛ لأنهم اتخذوهم شركاء من تلقاء أنفسهم ولم يأمرهم الله بهذا، وليس لأنهم شركاء حقيقيون.

- (قالوا) أي: المشركون (ربنا هؤلاء شركاؤنا)، وهذا القول إنما يقوله المشركون عندما يرون شركاءهم؛ ظنا منهم أن يعفو الله سبحانه عنهم ويحول العذاب إلى الشركاء، أو أن يخفف عنهم العذاب، ويقسمه بينهم وبين شركائهم.

- (ربنا): منادى منصوب، أي: يا ربنا، والدعاء بـ (ربنا) لما لكلمة "الرب" من معاني الرعاية واللطف.

- (شركاؤنا) أي الذين عبدهم المشركون من دون الله، وأضيف الشركاء إلى الكفار؛ لأنهم هم من اتخذهم من دون الله من تلقاء أنفسهم.

- (الذين كنا ندعو من دونك) (الذين) نعت للشركاء، أي صفة هؤلاء الشركاء هم (الذين).

- جاء التعبير عن الأصنام وغيرهم من الشركاء بصيغة جمع العقلاء (هؤلاء) (الذين)؛ لأن المشركين اعتقدوا أنهم عقلاء، أو لأن فيهم من هو من جنس العقلاء، فعبر عنهم تغليبا.

- (ندعو) أي نعبد، وجاء التعبير بالدعاء لأنه من أبرز أنواع العبادة، ولذا جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم دالا على هذا المعنى (إن الدعاء هو العبادة، ثم قرأ (ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (غافر:60) وهو حديث صحيح، رواه (أحمد: 17629) (الترمذي: 2895) (أبو داود: 1264) (ابن ماجه: 3818).

- (فألقوا) أي الشركاء هم من ألقى القول، والفاء للتعقيب؛ للدلالة على سرعة الرد، وعبر عن الشركاء بجمع العقلاء مشاكلة لما يعتقده الكفار، أو لأن فيهم من هو من جنس العقلاء، فعبر عنهم تغليبا.

- (فألقوا) أي قالوا لهم، وألقيت إليه كذا، أي قلت له كذا.

- ما دلالة كلمة (ألقوا) في قوله تعالى (فألقوا إليهم القول)؟

بعد التتبع لتصاريف مادة " لقي" في القرآن، والوقوف على معانيها في المعاجم، والنظر في دلالة الإلقاء مع القول، وجدت أن لمادة "لقي" ثلاثة معان ذكرها ابن فارس في (مقاييس اللغة)، منها: النبذ والطرح، وهو المعنى المتفرع عنه في هذه الآية، أي أنهم ردوا بقوة ووضوح، كأن القول شيء يطرح على من أمامه، وهذا يبين قوة القول وأنه ذو شأن.

ويأتي الإلقاء مع غير القول على سبيل المثال: (يلقون السمع وأكثرهم كاذبون) (الشعراء:223) (أو ألقى السمع وهو شهيد) (ق: 37) (وألقيت عليك محبة مني) (طه: 39) (تلقون إليهم بالمودة) (الممتحنة: 1) (وألقوا إلى الله يومئذ السلم) (النحل: 87)

وتجتمع المعاني من ناحية الأصل، ولكن السياق يوجه المعنى توجيها يتوافق معه، ليبرز المعنى بلون مختلف مع اتحاده مع أصله من ناحية المادة المكونة.

- وجملة (إنكم لكاذبون) تفسيرية للقول الملقى، أي قال الشركاء للمشركين (إنكم لكاذبون) بدعواكم أننا شركاؤكم، بل هذه أسطورة أنشأتموها وحدكم، وليس لنا فيها أي شأن.

واكد القول بتأكيدين، الأول: إن (إنكم)، والثاني: اللام المزحلقة (لكاذبون).

<<  <   >  >>