<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (90)

المفردات:

- الفحشاء: ما حكم الشرع بعظم قبحه من الأقوال والأفعال.

- المنكر: ما حكم الشرع بقبحه من الأقوال والأفعال.

- البغي: التعدي.

- تذكرون: تتعظون.

المعنى الإجمالي:

لما بينت الآية السابقة أن القرآن أنزل (تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)، أتت هذه الآية - وما بعدها - لتبين أن في القرآن بيانا لكل شيء يحتاجه الناس.

فالقرآن يأمرنا بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، ويأمرنا بترك ما يخالف هذه الأوامر، وينهانا عن المعاصي كبيرها وصغيرها، وينهانا عن التعدي، وكل هذا لأجل أن نتعظ، فنفعل ما أمرنا الله، وننتهي عن ما نهانا عنه.

المعنى التفصيلي:

- قال عبد الله بن مسعود: "ما في القرآن آية أجمع لحلال وحرام وأمر ونهي من هذه الآية (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى ... ) ".

رواه البخاري في (الأدب المفرد: 489) بسند حسن؛ للمقال الذي في عاصم بن بهدلة، وقد جاء من طرق أخرى عند الحاكم في (المستدرك: 3358)، وعبد الرزاق في (مصنفه: 6002) وغيرهم.

- (إن الله) استفتحت الآية بحرف التوكيد (إن) وباسم الجلالة (الله) تعظيما لشأن المأمور به في الآية.

- لم يأت النص مخبرا أن القرآن يأمرنا، رغم أن الآية بيان لما تضمنه القرآن من البيان، وذلك تصريحا بأن القرآن إنما هو من عند الله، ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ... ) (إن الله يأمر ... )، فالتبيان من الله تعالى لا من أحد غيره.

- جاء النص (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى) وليس "اعدلوا وأحسنوا وآتوا "؛ لأن ذكر الأمر فيه تعظيم الأمر، وأضرب مثلا - ولله المثل الأعلى - قول سيد في قومه لأحد أتباعه "افعل كذا" ليس بعظمة وقوة قوله له "آمرك أن تفعل كذا"؛ لأنه بقوله "افعل كذا" طلب منه الفعل فقط، ولكن بقوله "آمرك أن تفعل كذا" طلب منه الفعل، وزاد عليه التأكيد بالتصريح أن هذا الفعل هو فعل أمر إن لم تكن منتبها فانتبه، كأنه يقول له: افعل كذا وهو أمر فاحذر أن تعصيه.

- أتى التعبير بـ (يأمر) و (ينهى)؛ لأن الآية بيان للآية السابقة ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ... )، وللدلالة على أن التبيان والهدى والرحمة والبشرى تكون بإطاعة الله في الأمر والنهي.

- أتى التعبير (يأمر) و (ينهى) بصيغة الفعل المضارع؛ لأن الآية بيان للآية السابقة ( ... ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء ... ) فكأن التقدير: إن الله يأمر الناس في القرآن بـ ... وينهى الناس في القرآن عن ... ، والقرآن حاضر يأخذ الناس أحكامهم منه في كل وقت، ونتيجة ذلك، فإن أمر الله ونهيه متجدد في كل وقت.

- حذف المفعول في قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل)، أي لم يأت النص "يأمركم" أو "يأمرهم"؛ للدلالة على العموم، ليشمل كل مخاطب.

وكذلك حذف المفعول لتوجيه الانتباه إلى الفعل والفاعل، وترك الانشغال بالمفعول.

- لكن لماذا لم يحذف المفعول في قوله تعالى (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا) (النساء: 58)

جاءت هذه الآية في سياق بيان ما وقع فيه الكفار من الكفر والمعاصي وتضييع الأمانات والحقوق، فاستأنفت الآية أمر المؤمنين لئلا يكونوا مثلهم، فكان الخطاب فيها موجها للمؤمنين، ولذا كان من المهم التنبيه على المفعول في هذا السياق.

- (إن الله يأمر ... ) ما جاء الأمر به في هذه الآية إنما هو مجمل غير مفصل، وذلك من باب الإشارة إلى أن القرآن احتوى على بيان كل ما يحتاجه الناس في دينهم، وعلى هذا يكون التقدير (إن الله يأمر) في القرآن على وجه التفصيل (بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى)، (وينهى) في القرآن على وجه التفصيل (عن الفحشاء والمنكر والبغي).

- (بالعدل) العدل في الآية لفظ عام يندرج تحته ما لا ينحصر من الأنواع، فالعدل هو إعطاء كل ذي حق حقه، وهو ضد الظلم.

فتوحيد الله من العدل؛ ألا ترى أن الله يقول ( ... إن الشرك لظلم عظيم) (لقمان: 13).

وعبادة الله من العدل؛ لأن حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.

وطاعة الله من العدل مع النفس؛ لأننا بالطاعة ندخل الجنة، وبالمعاصي ندخل النار، قال تعالى (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (البقرة: 57).

ومن العدل أيضا: العدل مع الأولاد وبينهم بكل صوره، والعدل مع الزوجات وبينهن، والعدل مع الناس وبينهم.

حتى أن إعطاء الحيوان حقه من العدل (فعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال دخلت امرأة النار في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض) (البخاري: 3071) (مسلم: 4951)

فيندرج تحت العدل كل الأقوال والأفعال بكل ارتباطاتها مع كل الأشياء من أشخاص وأوقات وحيوان وجماد.

- والأمر (بالعدل) نهي عن كل صور الظلم في هذه الحياة، فانظر - بارك الله فيك- سعة عموم الأمر بالعدل.

- (والإحسان) الواو للعطف، والإحسان مصدر أحسن، نقول: أحسن إحسانا.

والإحسان هو إتقان الشيء على أكمل وجه، وله أنواع، منها: الإحسان إلى غيرنا بمعاملته على أكمل وجه، نقول: أحسن الابن إلى والديه. وكذلك إتقان المرء فعله، نقول: أحسن الرجل عمله.

وقيل: إن "الإحسان" هو المندوب، وهذا غير صحيح، فإن من الإحسان ما هو فرض كالإحسان إلى الوالدين (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ... ) (الإسراء: 23)، ومن الإحسان ما هو مندوب، كما يحسن أحدنا إلى أحد دون أن يجب عليه.

- (الإحسان) لفظ عام يندرج تحته كل صور الإتقان في الأقوال والأفعال، فالإحسان مع الله (أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) (البخاري: 48) (مسلم: 9)

حتى أن الله شرع لنا الإحسان للحيوان فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته فليرح ذبيحته) (مسلم: 3615)

- ولعموم "الإحسان" في الآية فإنه لم يبق أي نوع من الإحسان إلا واندرج تحته.

- والأمر بـ "الإحسان" أمر بكل مندوب فضلا عن الفرض، ونهي عن كل مكروه فضلا عن الحرام.

فانظر - بارك الله فيك - سعة عموم الأمر بالإحسان.

- قدم ذكر "العدل" على "الإحسان"؛ لأن "العدل" كله واجب، بينما "الإحسان" واجب ومندوب، والواجب أولى؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: "وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه " (البخاري: 6021)

- قد يسأل سائل: لماذا بدأ الأمر بالبر أولا في قوله تعالى ( ... وتعاونوا على البر والتقوى ... ) (المائدة:2) مع أن البر يضم المندوبات، ثم جاء الأمر بالتقوى التي هي فعل الواجبات وترك المحرمات، وهذا على خلاف ما ورد في هذه الآية من الترتيب حيث كان الأمر بالعدل أولا ثم الأمر بالإحسان؟

جاء الترتيب في هذه الآية بالعدل أولا ثم الأمر بالإحسان؛ لأن هذه الآية بيان لما تضمنه القرآن، فكان المناسب أن يذكر الأهم، بينما في قوله تعالى ( ... وتعاونوا على البر والتقوى ... ) (المائدة:2) فإن فيه حضا على التعاون، فبدئ بالأعم وهو البر؛ لتوسيع دائرة الحض على التعاون، ثم ذكر الخاص - وهو التقوى - تنبيها على أهميته.

إذن، فلكل آية مقصد خاص، وبين المقصدين فرق؛ ولذا اختلف التعبير.

- (وإيتاء ذي القربى) الواو للعطف، أي: أن الله سبحانه وتعالى يأمر كذلك بإيتاء ذي القربى، والإيتاء: الإعطاء، و (القربى) مصدر، وقيل: مؤنث أقرب. وهم كل من تربطك به قرابة.

- (وإيتاء ذي القربى) أمر بإعطاء القرابة حقوقهم من البر والصلة، وحذف ذكر المعطى في الآية؛ ليعم كل ألوان العطاء وأنواعه وأشكاله، زيادة في الخير، حتى نعطي ونعطي ولا نستكثر، وكذلك يشمل هذا العطاء الواجب كما أنه يشمل المندوب.

- لكن صلة القربى تدخل ضمن العدل والإحسان، فلماذا ذكرت بعدهما؟

ذكرت صلة القربى بعدهما من باب ذكر الخاص بعد العام؛ للأهمية والتأكيد على حقوق ذوي القربى.

وجاء هذا التنبيه؛ لأن كثيرا من الناس من يحسن إلى البعيد وينسى القريب؛ إما غفلة عن قرابته - كما قيل: شدة القرب حجاب - وإما سعيا إلى السمعة بين الناس، وهذا لا يتحقق بالإحسان إلى القريب كما في الإحسان إلى البعيد، وإما طمعا بعلاقات جديدة غير علاقة القربى؛ لأنها مضمونة.

- لماذا لم يخص الوالدين بالذكر كما في قوله تعالى (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) (النساء: 36)؟

آية النحل (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى .. ) عامة، وآية النساء (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ... ) تفصيلية، فناسب عدم ذكر الوالدين في "سورة النحل"؛ لأن الوالدين يدخلان ضمن ذوي القربى دخولا أولويا.

- لماذا جاء التعبير في هذه الآية بـ (وإيتاء ذي القربى) وليس "وإيتاء أولي القربى"؟

وقبل الإجابة عن السؤال فلا بد من بيان معنى "ذو" و"أولو"، فأما "ذو" اسم بمعنى الصاحب، فـ "ذو القربى" صاحب علاقة القرابة، و"أولو" جمع بمعنى "ذو"، ولا واحد له من لفظه.

جاء التعبير في القرآن بـ "أولي القربى" في سياق الكلام عن المقربين من الأقارب، وانظر - بارك الله فيك - إلى الآيات:

1 - (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) (النساء: 8) وعادة لا يحضر هذه القسمة كل قريب، بل الأقارب الذين تربطهم بأهل الميت قرابة أقوى من غيرهم، فقد يجتمع لأهل الميت من الأقارب ما يصل إلى ألف رجل، ولكن لا يدعى لمثل هذا الأمر إلا القليل الأقربون.

2 - (ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) (النور: 22)

سبب نزول هذه الآية أن مسطح بن أثاثة لما قال في حق عائشة ما قال، وأنزل الله براءتها، أقسم أبو بكر أن لا ينفق على مسطح، فأنزل الله هذه الآية، فأنفق عليه أبو بكر بعد نزول الآية.

ومسطح إنما هو قريب لأبي بكر؛ لأن أم مسطح هي ابنة خالة أبي بكر؛ لأن أمها هي بنت صخر بن عامر، وهي خالة أبي بكر. انظر (البخاري: 3826، كتاب: المغازي، باب: حديث الإفك) (مسلم: 4974، كتاب: التوبة، باب: حديث الإفك)

3 - (ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم (113) وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم) (التوبة: 114)

وفي هذه الآية نهي عن الاستغفار لذوي القربى مهما كانت قرابتهم؛ لأن المسلم لا يصر عادة على الاستغفار لكافر إلا لقربه الشديد، ولذا جاء الكلام في الآية التالية عن استغفار إبراهيم لأبيه.

أما الآيات التي جاء التعبير فيها بـ "ذي القربى " فإن موضوعها إما أن يكون في النصرة أو الإنفاق العام، وإنما جاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في النصرة؛ لأن النصرة إنما هي عند العرب عامة في كل القرابة، اقتربت أم بعدت؛ لأن النصرة إنما هي من مفهوم العشيرة والقبيلة، وكذلك جاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في الإنفاق العام ليشمل كل القرابة وإن بعدت قرابتهم.

أما الآيات التي جاءت في النصرة:

1 - ( ... فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين ... ) (المائدة: 106)

2 - ( ... وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى ... ) (152)

3 - (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ... ) (فاطر: 18)

أما الإنفاق العام فإن الآيات التي وردت فيه كثيرة، وأذكر آية واحدة من باب التمثيل.

(وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ثم توليتم إلا قليلا منكم وأنتم معرضون) (البقرة: 83)

واعذرني أخي القارئ، فإنني أريد أن أعيد لك ما قلته آنفا: إن الآيات التي جاء التعبير فيها بـ "ذي القربى " فإن موضوعها إما أن يكون في النصرة أو الإنفاق العام، وإنما جاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في النصرة؛ لأن النصرة إنما هي عند العرب عامة في كل القرابة، اقتربت أم بعدت؛ لأن النصرة إنما هي من مفهوم العشيرة والقبيلة، وكذلك جاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في الإنفاق العام ليشمل كل القرابة وإن بعدت قرابتهم.

وجاء التعبير عن القرابة بالمفهوم الأوسع في قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان ... )؛ لأنها آية عامة، ولذلك فهي تتكلم عن الموضوع الخاص (وإيتاء ذي القربى) بعموم أيضا.

- (وينهى عن الفحشاء) حذف ذكر الفاعل جل جلاله؛ لدلالة السياق عليه (إن الله يأمر بالعدل .... وينهى عن الفحشاء)، وحذف ذكر المفعول به للفعل "ينهى"؛ للدلالة على العموم؛ حتى يشمل كل مخاطب.

- الأمر بالعدل والإحسان يلزم منه النهي عن الفحشاء والمنكر، فلماذا حصل النص على النهي مع أنه معلوم بدلالة الأمر؟

التنصيص زيادة في التأكيد والبيان، وتثبيت لمعنى النصوص في القلوب.

وأيضا فإن المقام مقام بيان لبيان القرآن، والقرآن الكريم احتوى على الأمر مفصلا، واحتوى على النهي كذلك.

- (الفحشاء) هو: ما حكم الشرع بعظم قبحه من الأقوال والأفعال، فيندرج تحته كل الذنوب العظيمة، أذكر منها: القتل والزنا والسرقة والغصب وقطع الطريق والقذف.

- (والمنكر) هو: ما حكم الشرع بقبحه من الأقوال والأفعال، وتندرج الفحشاء ضمن المنكر، (والمنكر) اسم مفعول من "أنكر"، أي أن هذا الشيء تنكر الشريعة فعله، فهو أمر غير معروف بالخير عندها.

وقد مدح الله الناهين عن المنكر بقوله (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ... ) (التوبة: 71)

وذم الله من لا ينهى عن المنكر بقوله (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون (79)) (المائدة)

- (والمنكر) قيل: إن الاستنكار مراتب، منها: مرتبة الحرام، ومنها: مرتبة المكروه فإنه منهي عنه.

وهذا القول فيه نظر وإن المنكر من الناحية اللغوية يحتمل هذا القول، لأن الإنكار هو عدم القبول، قال ابن فارس في (مقاييس اللغة): " (نكر) النون والكاف والراء أصل صحيح يدل على خلاف المعرفة التي يسكن إليها القلب. ونكر الشيء وأنكره: لم يقبله قلبه ولم يعترف به لسانه ".

أما المنكر في الآية فهو الحرام، وقد استعرضت الآيات التي ورد فيها ذكر "المنكر" لفهم المقصود به، ولقد وجدت أكثرها يحتاج لنص آخر لبيان المقصود من المنكر؛ ولكن من الآيات ما يوضح أن المنكر عند الإطلاق إنما يدل على الحرام:

قال تعالى (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داوود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (78) كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون) (79)

وكلمة (منكر) في الآية على العموم، حيث يندرج تحتها كل أنواع المنكر؛ وذلك لأنها نكرة في سياق النفي، فهل استحق بنو إسرائيل اللعن وذم عملهم لأنهم لم يتناهوا عن المكروهات؟

الجواب: لا، بل استحقوا اللعن بعصيانهم على العموم (لعن الذين كفروا من بني إسرائيل ... بما عصوا وكانوا يعتدون) ومن جملة هذا الاعتداء أنهم لا يتناهون عن المنكر، ولا يدخل فيه المكروهات؛ لأنها ليست من ضمن العصيان والاعتداء، بل هي جائزة في الشرع ولكن غيرها خير منها.

وهناك دليل أشد وضوحا وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون أي فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر قال كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه (البخاري: 3027) (مسلم: 5305)

فهذا المعذب إنما استحق العذاب لأنه كان ينهى عن المنكر ويأتيه، فما هو المنكر؟ إنه الحرام؛ لأن النهي عن المكروه وفعله لا يوجب العذاب؛ لأن فعل المكروه أصلا لا يوجب العذاب.

ولأن المنكر هو الحرام فلا بد من تغييره قدر الاستطاعة، الأول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان (مسلم: 70)

- تنبيه: لا يعني أن المكروه لا يندرج تحت المنكر أن تترك النصيحة في حقه؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: 104) فالدعوة إلى الخير متضمنة الدعوة إلى ترك المكروه، وكذلك فإن الأمر بالإحسان متضمن النهي عن المكروه.

ولكن هناك فرق بين النصيحة والإرشاد في حق المكروه، وبين إنكار المنكر، فالإرشاد إلى ترك المكروه وفعل المندوب إرشاد إلى الأفضل، وبأسلوب لين وترغيب يناسب هذا المقام، بينما أسلوب إنكار المنكر مختلف، لأن فاعله وقع في معصية.

- (والبغي) هو التعدي ومجاوزة الحد؛ فإن أصل مادة "بغى" في اللغة طلب الشيء، فإن كان في خير كان خيرا، وإن كان في شر كان تعديا وتجاوزا للحد.

و"البغي" نوع من أنواع الظلم، قال تعالى (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين) (الحجرات: 9) فالاعتداء على المؤمنين هو ظلم.

ولكن الفرق بين الظلم والبغي، أن الظلم أعم من البغي، فكل بغي ظلم، وليس كل ظلم بغيا، قال تعالى (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (39) وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين (40) ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (41)) (الشورى)

اعتبر - في الآيات - من أصابه البغي مظلوما (ولمن انتصر بعد ظلمه)، والفارق الذي يميز البغي عن باقي أنواع الظلم، أن البغي هو التعدي على وجه التسلط والتطاول.

ولذا فلا تعارض بين (وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما) (الفرقان: 63) وبين (والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون) (الشورى: 39)؛ لأن مخاطبة الجاهلين ليست بغيا، فالبغي هو التعدي على وجه التسلط والاستطالة.

- النهي عن البغي مندرج تحت النهي عن الفحشاء والمنكر؛ ولكن هذا من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية، لأن الاعتداء على الناس يتضمن حقين، الأول: حق الله سبحانه وتعالى، والثاني: حق العباد؛ ولذا قال تعالى ( ... ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ... ) (المائدة: 2) فالإثم هو الذنب العام، سواء كان بحق الله أم العباد، وإنما العدوان فهو في حق العباد.

- يتساهل الناس في حقوق العباد، فتراهم يصلون ويصومون، ولكنهم يغشون ويخدعون، ويظنون أنهم على الحق التام، وأن البغي على العباد أمره يسير، وخطبه حقير، ولذا فكم وكم ممن يظن فيهم الالتزام يخفقون في امتحان حقوق العباد.

- ولكن لماذا تقدم الأمر على النهي في الآية؟

تقدم الأمر على النهي في الآية؛ لأن الأمر بالواجب والمندوب يتضمن نهيا، فهو طلب فعل وطلب ترك في وقت واحد؛ نقول: صل. وهذا أمر يتضمن النهي عن ترك الصلاة، وهكذا.

بينما النهي قد لا يتضمن - أي في بعض الأحيان - أمرا، نقول: لا تشرب الخمر. فهذا النهي لا يفهم منه أمر بفعل شيء آخر.

والخلاصة أن الأمر قدم على النهي؛ لأن الأمر يتضمن في تضاعيفه توجيهات أكثر من النهي، ولكن قد يقدم النهي على الأمر في سياق آخر لأغراض بيانية أخرى.

- (يعظكم) اختلف في معنى الوعظ، فقيل: الكلام الذي تلين له القلوب. وقيل: زجر مقترن بتخويف.

ولكن المعنى المستنبط من الآية، هو: أن الوعظ أمر وكذلك زجر، لأن الآية اشتملت على الأوامر والنواهي، والوعظ نصيحة وإرشاد يبرز فيه معنى التذكير، وانظر في قصة نوح - عليه السلام - في "سورة هود": فلما سأل نوح - عليه السلام - ربه في شأن ابنه، قال له ربنا سبحانه وتعالى ( ... يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (هود: 46) أي: (أعظك)؛ لما سبق من إعلامك ( ... احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) (هود:40)

وكذلك قوله تعالى (يعظكم لعلكم تذكرون) يبين العلاقة بين الموعظة والتذكير.

- (يعظكم) وليس "يعظ"؛ كما في قوله تعال (إن الله يأمر .. ) على العموم، كما سبق بيانه عند بيان الفائدة من حذف المفعول؛ لأن الموعظة فيها التذكير ويناسبه القرب، وأسلوب الخطاب أدعى للقرب.

- ولكن لماذا لم يقع العطف بين (يعظكم لعلكم تذكرون) وبين ما سبقه في الآية؟

هذا يسمى في علم البلاغة بشبه كمال الاتصال، ويكون شبه كمال الاتصال بأن تكون الجملة الثانية جوابا عن سؤال نتج عن الجملة الأولى، أي: لماذا يأمرنا الله بالعدل ... وينهى عن ... ؟ الجواب (يعظكم لعلكم تذكرون) أي: إن الله يعظكم بما وعظكم طلبا لهدايتكم رحمة بكم.

- (لعلكم تذكرون) تستخدم "لعل" للترجي، وهي هنا للرغبة، أي أن الله يعظنا حتى نهتدي رحمة بنا.

- (تذكرون) تتعظون؛ فتخرجون من غشاوة الغفلة إلى نور الهداية والذكرى.

<<  <   >  >>