<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم) (94)

المفردات:

- دخلا: إفسادا وخديعة.

المعنى الإجمالي:

بعد أن شبهت الآية قبل السابقة حال ناقض العهود بالمرأة الخرقاء التي تنقض غزلها من بعد قوة أنكاثا، مع بيان سبب نقض العهود بكون أمة أقوى من أمة، وحملت الآية السابقة ناقض العهود مسؤولية نقضه للعهد لأنه من اختياره، أتت هذه الآية لتشبه حال عاقبة ناقض العهود بعد تشبيه حال فعله، ولتؤكد أن له العذاب في الدنيا والآخرة.

وهذه الآية تنهى عن نقض العهود، وتبين عاقبته بعاقبة القدم الثابتة التي تزل عن مكانها ويهوي صاحبها، فيلاقي ما يسوؤه في الدنيا في الدنيا، ويلاقي العذاب العظيم في الآخرة.

المعنى التفصيلي:

- (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا) جاءت بداية هذه الآية بالنهي عن الخداع في العهود بصيغة النهي، بينما جاءت في الآية قبل السابقة (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم) بصيغة الإخبار الذي يفهم منه النهي؛ وجاء التعبير هناك بالخبر (تتخذون أيمانكم دخلا بينكم)؛ لأن جملة (تتخذون ... ) حال من الضمير (تكونوا)، أي: لا تكونوا حمقى كالمرأة الخرقاء التي تفسد عملها بعد إحكامه، حال كونكم جاعلين أيمانكم وسيلة للخداع.

وجاء التعبير هنا بالنهي؛ لأجل التفريع على هذا النهي - أي البناء عليه - والتفريع والبناء جاء بقوله تعالى (فتزل قدم بعد ثبوتها)، أي (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا) لأنه يترتب على اتخاذ العهود للخداع أن تزل (قدم بعد ثبوتها).

- (ولا تتخذوا أيمانكم دخلا) أي: لا تجعلوا أيمانكم وسيلة للخداع والغش، ليطئن إليكم الناس، وهذه الحال هي حال أهل الجاهلية، يتخذون العهود خداعا لأجل مصالحهم، فهم لا ينوون حين يعاهدون إلا اتخاذ العهد خديعة؛ لينالوا مكاسبهم.

- قيل: إن هذه الأيمان هي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن على فرض هذا الأمر فإن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

- (دخلا) الدخل: الإفساد والخديعة، وأصل الدخل هو ما يدخل الشيء مما ليس منه؛ ووجه الإفساد أن دخول شيء غريب على الشيء مفسد له، ووجه الخديعة أن إدخال شيء غريب على الشيء يكون إيهاما أنه منه؛ خداعا وغشا.

- (فتزل قدم بعد ثبوتها) أي: تضلوا بعد أن كنتم على الهدى، وجاء التعبير عن هذا المعنى بهذه الصورة الحسية المعلومة للقاصي والداني، والعالم والجاهل؛ تعميقا لقبح عاقبة الخداع بالعهود، حيث إن صورة انزلاق القدم وسقوط صاحبها أرضا، صورة مرئية محسوسة، فكم رأينا ممن زلت قدمه فسقط أرضا؟! وكذلك فهي صورة واقعة بنا ونعرف طعم ألمها، فمن منا لم تنزلق قدمه في يوم من الأيام، ومن منا من لم يذق ألم السقوط؟!

ولأنها صورة مستحضرة في الذهن، ومستحضرة أيضا في الشعور، فهي أدعى للتذكير والتحذير.

- (فتزل) الفاء للتفريع، أي: إن اتخاذكم الأيمان غشا وخداعا يتفرع عنه أن تزلوا عن الحق الذي أنتم عليه.

- (قدم) نكرت القدم؛ لأن التنكير في هذا السياق يفيد التعظيم؛ فالقدم هي التي تحمل صاحبها وتحميه من الوقوع، فلعظيم دورها نكرت، ولو قلنا في غير التنزيل "فتزل القدم بعد ثبوتها"، لما كان تعريف القدم من الفخامة مما في تنكيرها.

- (قدم) افردت ولم تجمع؛ لأن الصورة اتضحت بذكر قدم واحدة، بل إن جمع (قدم) يشوش الصورة الذهنية، فتأمل معي - بارك الله فيك - الفرق العظيم بين الصورة الذهنية المتولدة من قولنا "فتزل أقدام بعد ثبوتها"، وبين قوله تعالى (فتزل قدم بعد ثبوتها)، فالصورة بالجمع "أقدام" نشأ عنها صورة أخرى شوشت صفاء البيان، إنها صورة لأشخاص كثيرين، تنزلق أقدامهم فيسقطون أرضا، وهنا يتشتت الذهن بين تصور كثرة الأشخاص وبين حالات السقوط الكثيرة، بينما الصورة الذهنية المتولدة عن إفراد "القدم"، نجدها تتركز في جانب واحد، وهو حالة الانزلاق بعد الثبوت.

وبناء على ما ذكرت، فإنني أستبعد القول بأن إفراد "القدم" جاء لاستعظام أن تزل قدم واحدة عن طريق الحق بعد أن ثبتت عليه، فكيف بأقدام كثيرة؟!

وإن كنت لا أقول: إنه خطأ، بل هو مجرد استبعاد وترجيح، والله أعلم.

- (بعد ثبوتها) الزلل لا يكون إلا بعد الثبوت، فلماذا ذكر الثبوت؟

إذا أردت أن تعرف قيمة ذكر (بعد ثبوتها) في الآية فتأمل الآية دونها؛ لتعلم قيمة ذكرها؛ فإن في ذكر الثبوت زيادة في بيان قبح العاقبة، وإشارة إلى الخسران الذي وقع لمن خدع في عهده، فإنه اختار الزلل على الثبات والأمان، وإشارة إلى أن الوفاء بالعهود هو الثبات والحق.

- فرق بعضهم بين "الثبوت" و"الثبات"، فقالوا: الثبوت - بالواو - خاص بالمعنى المجازي، وهو التحقق، مثل: ثبوت عدالة الشاهد لدى القاضي، وخصوا الثبات - الذي بالألف - بالمعنى الحقيقي. وعلق بعض المفسرين على هذه التفرقة بأنها تفرقة حسنة.

ولكن هذا التخصيص للاستعمال غير صحيح، فإن "الثبوت" يستعمل أيضا في المعنى الحقيقي، فقد جاء في لسان العرب في مادة "ثبت" ما نصه: "ثبت فلان في المكان يثبت ثبوتا فهو ثابت إذا أقام به"، وهذا استعمال للثبوت في المعنى الحقيقي.

- وفي قوله تعالى (فتزل قدم بعد ثبوتها) استعارة؛ حيث استعيرت القدم للثبوت، واستعير زلل القدم الحسي للزلل المعنوي عن الحق.

- (وتذوقوا) أصل الذوق: تحسس الطعم عن طريق الفم، واستعمل في القرآن في العذاب؛ وذلك لبيان عظيم العذاب، فإن الإنسان يجد طعم ما يذوقه أكثر من طعم ما يبلعه، فمعنى (وتذوقوا السوء) أي: وتحسوا به إحساسا عظيما.

- (السوء) ما يسوء الإنسان ويؤلمه وينغص عليه صفو حياته، والمقصود به في هذه الآية ما يصيب العاصي في الدنيا، وذلك بدلالة الآية (وتذوقوا السوء) أي: في الدنيا (ولكم عذاب عظيم) أي: في الآخرة.

والسوء الذي يلاقيه ناقض العهد في الدنيا هو ما يحصل له في هذه الدنيا من المصائب والويلات بسبب غضب الله عليه، وهذا أولا. وكذلك فإن الناس لا يثقون به، بل وينبذونه ويعادونه.

- (بما صددتم) الباء سببية، و"ما" مصدرية، أي: وتذقوا السوء في الدنيا بسبب صدكم - أو صدودكم - عن سبيل الله.

- (صددتم) قد يكون الفعل من "الصدود" ويكون الفعل لازما، أو من "الصد"، ويكون المفعول محذوفا.

- (عن سبيل الله) يختلف معنى (سبيل الله) وفق اختلاف معنى (صددتم).

فيكون المعنى على اعتبار كون الفعل من "الصدود": وتذقوا السوء في الدنيا بسبب إعراضكم عن سبيل الله، وهو الوفاء بالعهود.

ويكون المعنى على اعتبار الفعل من "الصد": وتذوقوا السوء في الدنيا بسبب صد غيركم عن سبيل الله، وهو دينه.

- ولكن كيف نصد غيرنا عن سبيل الله عندما ننقض العهود؟

نصد غيرنا عن سبيل الله عندما ننقض العهود بإقامتنا للقدوة السيئة، والتي بدورها تنفر الناس عن دين الله؛ حيث يقول الكافر أو ضعيف الإيمان: إذا كان هذا هو فعل الأتقياء من المسلمين فإن هذا الدين لا فائدة فيه.

وفي هذا رد على الذين قالوا: إن هذه الآية نزلت فقط في الذين بايعوا النبي - صلى الله عليه وسلم - على الإسلام وكفروا بعد ذلك، مستدلين بأن هذه الآية لو كانت في العهود عامة، لما كان فيها صد عن سبيل الله. وهذا منقوض بما ذكرت آنفا من معنى الصد في الآية.

وقد ذكرت عند تفسير الآية (91) من هذه السورة أنه لا يصح في سبب النزول شيء مرفوع أو ما في حكمه، وأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

- ولا بد من الإشارة إلى أن شعوبا كثيرة دخلت الإسلام لما رأت صدق المسلمين وحسن أخلاقهم، ولأجل هذا؛ لا بد أن يتنبه الدعاة إلى الله أولا والمسلمون عموما إلى أن معصيتهم قد تكون فتنة للناس عن دين الإسلام، ومن صد غيره عن دين الله، فإن له السوء في الدنيا والعذاب العظيم في الآخرة.

- (ولكم عذاب عظيم) أي إن نقضتم عهودكم فلكم العذاب في الآخرة. ووصف العذاب بالعظيم؛ للدلالة على أنه أعظم من عذاب الدنيا الذي جاء التعبير عنه في قوله تعالى (وتذوقوا السوء)؛ لأن عذاب الآخرة ليس سوءا فقط، بل عذاب موصوف بأنه عظيم. أعاذني الله وإياكم منه. آمين!

<<  <   >  >>