<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (97)

المفردات:

- طيبة: حسنة، والطيب ضد الخبيث.

المعنى الإجمالي:

ختمت الآية السابقة بوعد الصابرين بالجزاء وفق أحسن ما كانوا يعملون، فجاءت هذه الآية من باب التفصيل والبيان لمبدأ جزاء الصالحين عند الله - سبحانه وتعالى - على سبيل العموم؛ لمناسبة السياق لهذا المعنى.

فكل مؤمن يعمل صالحا فله الحياة الطيبة في الدنيا وله الجزاء في الآخرة بأحسن ما عمل، يستوي في هذا الأمر الذكور والإناث.

المعنى التفصيلي:

- (من عمل) (من) اسم شرط، وأسماء الشرط من صيغ العموم؛ ليدخل كل من عمل صالحا ضمن الموعودين بالجزاء.

- (عمل) في هذه الدنيا عملا (صالحا). ولا يوصف العمل بالصلاح إلا إذا كان موافقا لدين الله سبحانه وتعالى؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد. (مسلم: 3243).

- (من ذكر أو أنثى) حرف الجر "من" للبيان، بمعنى: أعني (من ذكر أو أنثى).

يستوي في الأجر الذكر والأنثى، وإن كان الله - سبحانه وتعالى - قد خص الذكور بأحكام كما أنه خص الإناث بأحكام، ولكنهما في أجر العمل سواء.

- (من ذكر أو أنثى) اسم الشرط "من" من صيغ العموم، ويدخل ضمنه الذكر والأنثى، فلماذا ذكر "الذكر والأنثى"؟

ذكر "الذكر والأنثى" من باب البيان والتفصيل؛ رفعا لإيهام التفريق بينهما بالجزاء، وزيادة في حث المؤمنين على العمل الصالح إناثا كانوا أو ذكورا؛ لأن الحكم الصريح ليس كالحكم المستنبط.

- (وهو مؤمن) هذه الجملة حال، أي: من عمل صالحا وحاله الإيمان بالله والإخلاص له فله الجزاء المذكور.

وهذه الآية من مجموع الأدلة القاضية بأن الأعمال لا تقبل بلا إيمان، ويعبر عن هذا بأن الإيمان شرط في صحة الأعمال.

- (فلنحيينه) الفاء رابطة لجواب الشرط، واللام لام القسم، والقسم مقدر، والنون للتعظيم، وإسناد الفعل إلى الله - سبحانه وتعالى - تشريف لهذه الحياة، والنون المشددة للتوكيد.

وإنما جاءت هذه الأشياء زيادة في تطمين قلوب المؤمنين - رغم إيمانهم - بأن جزاءهم قادم لا محالة. فكأن المعنى: وله - بكل تأكيد - حياة طيبة منا.

- (حياة طيبة) أي: الحياة الدنيا، وهذا هو الراجح. وقيل: في الآخرة؛ بحجة أن المسلم لا يطيب له عيش في الدنيا. وهذا ضعيف للآتي:

أولا: لأن سياق الآية يدل على أن الحياة الطيبة في الدنيا؛ (فلنحيينه حياة طيبة) في الدنيا (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) في الآخرة. ولو كانت الحياة الطيبة في الآخرة لكان في الآية تكرار، وحمل الآية على ما ذكرنا أظهر.

وثانيا: لأن الحياة الطيبة تكون للمسلم في الدنيا، وسيأتي بيان معنى الحياة الطيبة بعد قليل.

- (حياة) نكرة، ودلالة التنكير في هذا السياق هي: التشريف.

- (طيبة) طاهرة زكية، والطيب ضد الخبيث؛ قال تعالى ( ... حتى يميز الخبيث من الطيب ... ) (آل عمران: 179)، (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات ... ) (النور: 26)

- ولكن قد يسأل سائل: إننا نرى كثيرا من المؤمنين يعيشون حياة خشنة يملؤها الفقر والحاجة، فكيف وعد الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين بالحياة الطيبة وحالهم هذه؟

وقبل الإجابة عن هذا التساؤل لا بد من العلم أن الحياة الطيبة لا تعني الغنى ورغد العيش، وإلا فقد ذاق النبي - صلى الله عليه وسلم - وذاق الصحابة - رضوان الله عليهم - خشونة العيش، وإنما المقصود بالحياة الطيبة، تلك الحياة التي يحياها المؤمنون، حياة ليس فيها فسق ولا انحلال ولا مجون ولا زنا، فالكفار في هذا الزمن ورغم كل ما يملكون من المال ورغد العيش يعيشون حياة خبيثة؛ لأن الحياة الطيبة إنما هي للمؤمنين، فالزنا بين الكفار أشهر من أن يذكر، فهم لا يفرقون بين امرأة وأخرى، حتى أن الزنا امتد إلى نساء إخوانهم وأصحابهم، بل إلى محارمهم، وأما طعامهم، فهم لا يفرقون بين طيب وخبيث، فهم يأكلون أي شيء يخطر ببالهم، وعلى هذا فقس كل جوانب حياتهم.

هذا، ومن جهة أخرى فإن القناعة والرضا بما قسم الله - سبحانه وتعالى - تجعل المؤمن راضيا مطمئنا سعيدا، وهو بهذا الإيمان يشعر بالسعادة أيضا؛ لأن يركن إلى ركن شديد، ويعتمد على العظيم الحميد.

ولذا؛ فرغم الرغد الذي يعيشه الكفار إلا أنهم هم المقبلون على الانتحار، علاوة على ما يعانون من اضطرابات نفسية تحرق أي فرحة في حياتهم. فالمؤمنون هم أهل التوكل على الله - سبحانه وتعالى - وهم أهل الصبر؛ ولذا فهم يعيشون حياة طيبة نظيفة طاهرة ملؤها القناعة والرضا.

وفسرت الحياة الطيبة بـ:

الرزق الطيب الحلال، والقناعة، وحلاوة الطاعة، والاستغناء عن الخلق والافتقار إلى الخالق.

وهذا كله صحيح؛ فإن هذا من باب التنصيص على بعض أفراد العام، أي: كل واحد من هذه الأقوال بين جانبا من الحياة الطيبة، وكل هذه الجوانب مجتمعة هي الحياة الطيبة.

وأما ما ذكره بعض المفسرين من أن الحياة الطيبة هي: المال. فهو غير صحيح، فقد قال أحد المفسرين رحمه الله تعالى: "الله - عز وجل - جعل المال جزاء الأعمال، وذلك في ستة مواضع" وذكر منها هذه الآية.

وفسر بعض المفسرين الحياة الطيبة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه" (مسلم: 1746).

وفي هذا نظر؛ لأن من الصالحين من لم يرزق الكفاف، والله وعد الصالحين بالحياة الطيبة، ولو كان رزق الكفاف حد للحياة الطيبة؛ لحكمنا على كل من لم يرزق كفافا بأنه ليس من الصالحين، وهذا معلوم البطلان، فكم من الصحابة - رضوان الله عليهم - كان رزقه دون الكفاف.

- (ولنجزينهم) الواو عاطفة، واللام لام القسم، والقسم مقدر، والنون للتعظيم، وإسناد الفعل إلى الله تشريف لهذا الجزاء، والنون المشددة للتوكيد.

- ولكن لماذا جاء التعبير في (ولنجزينهم) بالجمع، بينما جاء التعبير في (فلنحيينه) بالمفرد؟

جاء التعبير في (ولنجزينهم) بالجمع مراعاة لمعنى الاسم الموصول (من)، بينما جاء التعبير في (فلنحيينه) بالمفرد مراعاة للفظ الاسم الموصول (من).

- (ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) سبق الكلام في تفسيرها في الآية السابقة عند قوله تعالى (ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) (96)

<<  <   >  >>