<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) (99)

المفردات:

- سلطان: تسلط.

المعنى الإجمالي:

بعد أن أمر الله - سبحانه وتعالى - رسوله - ابتداء - بالاستعاذة، وأمر كذلك المؤمنين أجمعين، جاءت هذه الآية لتعلل الأمر بالاستعاذة.

فالذي آمن وتوكل على الله - سبحانه وتعالى - فإن الشيطان ليس له عليه تسلط.

المعنى التفصيلي:

- (إنه ليس له سلطان) (إنه) أي: الشيطان؛ لذكره في ختام الآية السابقة ( ... الشيطان الرجيم).

- (سلطان) أصل مادة "سلط" هي: القوة والقهر، ومن ذلك التسلط، وسمي السلطان سلطانا؛ لأن أساسه القوة والقهر.

وتسلط الشيطان ليس بالجبر والقهر، وإنما بالدعوة إلى المعصية وطاعتهم له بذلك، قال تعالى (وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم) (إبراهيم: 22)

- ولكن لا يسلم أحد من الوسوسة حتى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ قال تعالى (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) (الحج: 52)، فما الفرق بين الوسوسة والسلطان؟

لا تصبح وسوسة الشيطان سلطانا إلا إذا أطيع فيما يوسوس به من الكفر، ويوضح هذا المعنى الآية التالية (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (النحل: 100).

وإنما قلت: فيما يوسوس به من الكفر؛ لأن من المؤمنين من يتأثر بوسوسة الشيطان فيقع في المعاصي، فالمؤمنون غير معصومين عن المعاصي، وإنما ليس له سلطان عليهم في أمرهم بالكفر.

- (على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) التوكل جزء من الإيمان، فلماذا ذكر بعده؟

هذا من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية، وأهمية التوكل في هذا السياق تبرز في أن الاستعاذة إنما هي الاتجاء إلى الله - سبحانه وتعالى - واعتماد عليه، وهذا هو عين التوكل.

وأيضا ففي ذلك إشارة إلى استحضار النية عند الاستعاذة حتى يجني المؤمن ثمرها؛ لأن الاستعاذة ليست لفظا وانتهى الأمر، وإنما تكون باستحضار النية والتوكل على الله سبحانه وتعالى، وكم من مستعيذ يستعيذ بلسانه وقلبه لاه؟

- (على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون) جاء التعبير (آمنوا) بالفعل الماضي، بينما جاء (يتوكلون) بالفعل المضارع، فلماذا؟

جاء التعبير (آمنوا) بالفعل الماضي؛ لأن الإيمان استقر في القلب وقضي أمره، بينما جاء (يتوكلون) بالفعل المضارع؛ لأن أمر التوكل مستمر متجدد، فعبر عنه بالفعل المضارع.

- (وعلى ربهم يتوكلون) قدم الجار والمجرور (وعلى ربهم) للحصر، أي: لا يتوكلون على أحد إلا الله سبحانه وتعالى.

- جاء التعبير بـ (ربهم) ولم يأت أي اسم آخر من أسماء الله سبحانه وتعالى؛ لما في معنى الربوبية من الرعاية والعناية، فهو تأنيس للمؤمنين بأن الله سيعيذهم، وإضافة "رب" إلى الضمير "هم" إنما هو للولاية والقرب والتأنيس.

- استدل بعض من ينكر أذى الجن على الإنس بهذه الآية، واعتراضهم: كيف ينفي الله - سبحانه وتعالى - سلطان الشيطان على المؤمن ويصيبه بالمس وغير ذلك؟

وللجواب عن ذلك لا بد من العلم أن وسوسة الشيطان لا تصبح سلطانا إلا أطيع الشيطان في ما يوسوس به من الكفر، ويوضح هذا المعنى الآية التالية (إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون) (النحل: 100)

وأما نفي الواضح الثابت من ضرر الجن على الإنس بما هو محتمل فهو غير صحيح؛ لأن هذا يتعارض مع النصوص الصريحة والصحيحة التي تثبت أن ضررا للجن قد يقع على الإنس، ولقد كتبت رسالة في بيان ضرر الجن على الإنس، وكل ذلك بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة الصحيحة، واسمها (تعرف إلى ضوابط الرقية الشرعية وأحكامها) وهي منشورة.

- الإيمان والتوكل على الله سبحانه وتعالى - حرز حريز وحصن حصين من الشيطان، وأما سلطان الشيطان بالإضلال، فإنما يكون بالابتعاد عن ذكر الله سبحانه وتعالى؛ قال تعالى (ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37)) (الزخرف)

<<  <   >  >>