<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين ءامنوا وهدى وبشرى للمسلمين) (102)

المفردات:

- روح القدس: جبريل عليه السلام.

المعنى الإجمالي:

بعد أن طعن الكفار بالقرآن بأنه مفترى من عند محمد - صلى الله عليه وسلم - أمر الله - سبحانه وتعالى - نبيه أن يقول للكفار: إن هذا القرآن ليس كلامي، بل هو كلام الله سبحانه وتعالى؛ أنزله ليثبت المؤمنين على الإيمان، وليكون هدى وبشرى للمسلمين.

المعنى التفصيلي:

- (قل) الخطاب فيه بداية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللمؤمنين تبعا.

وفي فعل الأمر (قل) دلالة على أننا مكلفون بتبليغ دين الله سبحانه وتعالى، ومكلفون - أيضا - بالذب عنه، وهذا تكليف جازم يستمد هذه الصفة من جزم فعل الأمر (قل).

- (نزله) أي القرآن.

قيل: جاء التعبير بـ (نزله) وليس "أنزله"؛ للدلالة على التدرج بإنزال القرآن، بينما تدل صيغة "أنزله" على نزول القرآن مرة واحدة دون تدرج. وقيل: إن تضعيف الفعل يدل على التعظيم.

وقد سبق الكلام على مثل هذا بالنفي؛ لقوله تعالى (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا) (الفرقان: 32) فالكفار طلبوا أن ينزل القرآن جملة واحدة بفعل مضعف (نزل)، وهذا يرد أن التضعيف لتقوية المعنى تعظيما للقرآن، ويرد على أن التضعيف يعني نزول القرآن منجما؛ لأنهم طلبوا نزوله جملة واحدة (لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة)

وقال تعالى (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) (الزخرف: 31) فـ (نزل) ليس لتقوية المعنى تعظيما للقرآن.

ولو كانت التعدية بالتضعيف أقوى من التعدية بالهمزة، لكان الإنزال في قوله تعالى (ولو نزلناه على بعض الأعجمين) (الشعراء: 198) أقوى منه في قوله تعالى (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين) (الدخان: 3) (إنا أنزلناه في ليلة القدر) (القدر: 1)، وهذا غير صحيح؛ لأن السياق في سورتي (الدخان) و (القدر) لتعظيم القرآن.

- (روح) أي جبريل عليه السلام، وقيل في بيان معنى الروح في هذه الآية من جهة اللغة: الروح: المطهر من نقائص البشر؛ لأن الأرواح تترفع عن نقائص الأجساد. وهذا ضعيف؛ لأن من الأرواح ما هو خبيث.

والروح تأتي بعدة معان، منها ما تكون الحياة به: (ويسألونك عن الروح) (الإسراء: 85)، ومنها جبريل: (نزل به الروح الأمين) (الشعراء: 193)، ومنها الوحي: (وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) (الشورى: 52)، والجامع فيما ذكر أن الروح تكون بها حياة الأبدان، والوحي يكون به حياة القلوب؛ ولذا سمي روحا، وسمي جبريل روحا؛ لأنه كان ينزل بالوحي، فهو بهذا الاعتبار سبب لحياة القلوب.

- (القدس) وهو: الطهر، ومعنى (روح القدس) أي: جبريل المطهر من النقائص.

- (من ربك) وهذا بيان لمصدر القرآن الكريم، وجاء النص (من ربك) وليس "من ربي"؛ لأن في هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وحتى يخرج الكلام عن أسلوب التلقين المحض إلى أسلوب التكريم والتشريف جاء التعبير بـ (ربك).

- (بالحق) أي أن القرآن متلبس بالحق في كل ما يتعلق به، سواء إنزالا أو أحكاما أو قصصا أو نسخا، وفي هذا رد على تكذيب الكفار للقرآن بدعوى وقوع النسخ فيه، كما جاء بيان هذا في الآية السابقة (وإذا بدلنآ ءاية مكان ءاية والله أعلم بما ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون).

- (ليثبت الذين ءامنوا) من مقاصد إنزال القرآن تثبيت المؤمنين على الهداية التي هم فيها، ولكن لقوله تعالى معنى أخص في هذا السياق الذي يثبت بأن النسخ من الله سبحانه وتعالى، وهذا المعنى هو (ليثبت الذين ءامنوا) عندما يتفكرون في الحكمة من النسخ وبما يحققه لهم من الخير.

- (وهدى وبشرى للمسلمين) وهذا مقصد آخر من مقاصد تنزيل القرآن، ألا وهو هداية المسلمين إلى الطريق المستقيم وتبشيرهم بأنهم على الطريق المستقيم.

وقدم ذكر الهداية على البشرى؛ لأن الهداية أولا ثم تأتي البشرى ثمرة للاستقامة على الهداية، والمسلمون هم الذين أسلموا وانقادوا لله سبحانه وتعالى وفق ما أراد.

- لماذا جاء ذكر تثبيت المؤمنين أولا ثم جاء بعده ذكر الهداية والبشرى للمسلمين؟

جاء ذكر تثبيت المؤمنين أولا ثم جاء بعده ذكر الهداية والبشرى للمسلمين؛ لأن المؤمنين أعلى رتبة من المسلمين؛ فعن عامر بن سعد عن أبيه قال: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قسما، فقلت: يا رسول الله أعط فلانا فإنه مؤمن. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أو مسلم. أقولها ثلاثا ويرددها علي ثلاثا: أو مسلم. ثم قال: إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار. (صحيح مسلم ج1/ص132).

- ولكن لماذا جاء ذكر التثبيت للمؤمنين، بينما جاء ذكر الهداية والبشرى للمسلمين، ألا يحتاج المؤمنون الهداية والبشرى كما يحتاجها المسلمون؟

جاء ذكر التثبيت للمؤمنين لأن المؤمنين وصلوا إلى درجة عالية في الإيمان، ولذا فلا بد لهم أن يثبتوا عليها، وثباتهم على هذه الدرجة العالية فوز عظيم، وأما المسلمون فهم أحوج للهداية والبشرى؛ لأنهم ما زالوا سائرين في الطريق ليصلوا إلى درجة المؤمنين، فاحتاجوا إلى الهداية ليسيروا على نور، واحتاجوا إلى البشرى لتكون حافزا لهم.

<<  <   >  >>