<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم) (110)

المفردات:

- فتنوا: امتحنوا.

المعنى الإجمالي:

بعد ذكر وعيد المرتدين وبيان خسرانهم، جاء التنويه بمكانة المؤمنين المهاجرين في سبيل الله سبحانه وتعالى، المفضلين الآخرة الباقية على الحياة الدنيا الزائلة، رغم أن هؤلاء المؤمنين قد وافقوا قومهم على الكفر خوفا منهم فإن الله غفور لهم رحيم بهم بعد هجرتهم وجهادهم وصبرهم.

المعنى التفصيلي:

- (ثم) جاء العطف بـ (ثم) لعلو رتبة المؤمنين على وضاعة رتبة المرتدين، فالفرق بينهما عظيم؛ فالعطف بـ (ثم) يكون للتراخي الزمني بين الأحداث أو للتراخي الرتبي كما هو الحال في هذه الآية.

- (إن) حرف تأكيد يؤكد مضمون الآية.

- (ربك) جاء التعبير بـ "الرب" لما فيه من معاني الرعاية والعناية، وهذا يناسب سياق المغفرة والرحمة في هذه الآية، وأضيف " الرب" إلى كاف المخاطب، والمقصود به محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى (ربك) أي: يا محمد، وإنما وقعت هذه الإضافة تشريفا للنبي صلى الله عليه وسلم.

- (للذين هاجروا) والهجرة الانتقال من بلد إلى بلد فرارا بدين الله.

وفي تعيين هذه الهجرة قيل: هي الهجرة إلى الحبشة، وقيل: بل الآية مدنية وليست مكية، فالهجرة هي إلى المدينة.

أما القول بأن الهجرة إنما هي إلى الحبشة فغير صحيح؛ لما ستعرفه من سبب النزول المروي عن ابن عباس بسند صحيح بأن الهجرة المقصودة في هذه الآية هي الهجرة إلى المدينة، وأحب أن أنبه إلى أن قول الصحابي في سبب النزول: "حدث كذا فنزل قوله تعالى ... ". له حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن هذا الأمر مما لا مجال للاجتهاد فيه، وإنما هو نقل لما حصل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.

فالآية على هذا مدنية، وبهذا تنضم هذه الآية إلى الآيات المدنية الموجود في هذه السورة المكية.

- (من بعد ما فتنوا) أي هاجروا من بعد أن امتحنوا، ولا بد من العلم أن هؤلاء قوم من المستضعفين في مكة وافقوا قومهم على الكفر خوفا منهم، ومما يستأنس به خاتمة الآية (لغفور رحيم)، أقول: يستأنس به وليس دليلا؛ لأنه لا يشترط في من امتحن أن يكفر حتى تذكر الرحمة والمغفرة في شأنه، ألا ترى قوله تعالى (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم) (البقرة: 218) فإن رحمة الله ومغفرته هي مطلب كل المؤمنين.

وهم أناس في مكة لم يهاجروا في بداية الأمر فكفروا خوفا من كفار مكة؛ لما روى الطبري في تفسيره (ج20/ص133) بسند صحيح "حدثنا أحمد بن منصور الرمادي قال ثنا أبو أحمد الزبيري قال ثنا محمد بن شريك عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال:

كان قوم من أهل مكة أسلموا وكانوا يستخفون بإسلامهم، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم فأصيب بعضهم وقتل بعض، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا فاستغفروا لهم، فنزلت (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم ... ) (النساء: 97) إلى آخر الآية.

قال: فكتب إلى من بقي بمكة من المسلمين بهذه الآية: أن لا عذر لهم، فخرجوا فلحقهم المشركون، فأعطوهم الفتنة، فنزلت فيهم هذه الآية (ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ... ) (العنكبوت: 10) إلى آخر الآية، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا وأيسوا من كل خير، ثم نزلت فيهم (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم)

فكتبوا إليهم بذلك: إن الله قد جعل لكم مخرجا، فخرجوا فأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا وقتل من قتل.

- (فتنوا) امتحنوا واختبروا، يقال: فتن الذهب، أي: أدخله الفتان - وهو الصائغ - إلى النار ليختبر جودة الذهب، هل هو صاف أم مخلوط؟ وكم هي نسبة الخلط؟

ولكن لا يشترط من وقوع الإنسان في الفتنة أن يكون قد أخفق، قال تعالى في شأن موسى عليه السلام ( ... وفتناك فتونا ... ) (طه: 40) أي: اختبرناك اختبارا. وقد تستعمل "الفتنة" في الخير كما في الشر ( ... ونبلوكم بالشر والخير فتنة) (الأنبياء: 35) وإن كان استعمالها في الشر أكثر.

- (فتنوا) قرأ الجمهور بضم الفاء وكسر التاء، وقرأ ابن عامر بفتح الفاء والتاء (فتنوا).

وقيل في توجيه القراءتين: أما قراءة (فتنوا) فالضمير يعود للذين هاجروا، فهم من فتنهم الأعداء، وفي قراءة (فتنوا) فإن الضمير يعود إلى (الخاسرون) في الآية السابقة، أي: إن الذين فتنوا غيرهم ثم تابوا إن ربك من بعد فتنتهم الناس لغفور رحيم. وهذا غير صحيح؛ لأن هؤلاء المهاجرين هم من وقع تحت الفتنة، لا أنهم فتنوا الناس، كما عرفت من سبب النزول.

وقيل: (فتنوا) لغة في افتتن، وفتن الرجل وافتتن بمعنى واحد.

ولكن يمكن أن نقول: (فتنوا) أي: فتنوا أنفسهم؛ بأن أوقعوها في الفتنة بتركهم الهجرة ابتداء، أو بموافقتهم الكفار على كفرهم. وهذا ليس بعيدا بل جاء مثله في القرآن؛ واقرأ قوله تعالى ( ... فتنتم أنفسكم ... ) (الحديد: 14) أي: أوقعتم أنفسكم في الفتنة وسقطتم فيها.

- (هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا) ذكرت الهجرة أولا ثم الجهاد ثم الصبر، وهذا ترتيب لزمن استمرار الأفعال، فالهجرة وقعت أولا وانقضى فعل الانتقال، ثم وقع الجهاد منهم، ولكن ذكر الصبر في النهاية مع أنه كان موجودا منذ البداية - إذ لا هجرة من غير صبر وكذا الجهاد - وإنما وقع في النهاية لأنه هو الممتد في الزمن بعد انقضاء الهجرة والجهاد إلى آخر لحظة تخرج فيها الروح.

- (ثم جاهدوا) جاء العطف بـ (ثم)؛ لأن بين الهجرة والجهاد زمن متراخ.

- (إن ربك من بعدها) أي بعد هذه الأفعال الصالحة من الهجرة والجهاد والصبر لغفور لكم رحيم بكم. ولا يخصص عود الضمير على أمر من الأمور الثلاثة "الهجرة والجهاد والصبر"، بل يرجع إلى كل هذه الأمور؛ إذ لا يوجد دليل مخصص، وهذا أولا، وثانيا: الأصل أن يحمل الأمر على الجميع لكونها كلها أعمال صالحة يغفر الله - سبحانه وتعالى - لصاحبها ويرحمه.

- أعيد ذكر (إن ربك) رغم ذكره في أول الآية لأمرين، الأول: طول الفصل، والثاني: للتأكيد على مغفرة الله ورحمته لهؤلاء المؤمنين.

- (لغفور رحيم) اللام في (لغفور) للتأكيد، وكل ما ذكر من تأكيد في الآية إنما هو لتطمين هؤلاء المؤمنين - ومن في حكمهم - أن الله - سبحانه وتعالى - غفور رحيم؛ فلا تيأسوا من رحمة الله ومغفرته.

الغفور: اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، بمعنى المتجاوز عن ذنوب عباده، وأصله في اللغة من الستر؛ والتجاوز عن الذنوب ستر لها فلا يحاسب عليها صاحبها.

والرحيم: اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى مشتق من الرحمة.

- ولكن لماذا قدم ذكر اسم "الغفور" على "الرحيم" وليس العكس؟

قدم ذكر اسم "الغفور" على "الرحيم"؛ لأن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة أولا ثم الغنيمة.

- الأصل في ترتيب الجملة هو التالي: " إن ربك لغفور رحيم للذين هاجروا ... ) فلماذا هذا التغيير في ترتيب الجملة بذكر الجار والمجرور (للذين) قبل (لغفور رحيم)،؟

قدم الجار والمجرور (للذين) إبرازا للاسم الموصول، حتى يكون هذا الإبراز إعلانا لإعلاء أمر هؤلاء المؤمنين، وتنويها بعظيم قدرهم.

<<  <   >  >>