<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون) (113)

المعنى الإجمالي:

بعد بيان كفر أهل القرية بالله سبحانه وتعالى، تتابع هذه الآية بيان أبشع جرم ارتكبوه، وهو تكذيب رسول الله الذي جاءهم من قومهم وجنسهم، ويعرفون أنه نبي مرسل، ولكنهم كذبوه في ما جاء به من التوحيد، وجزاء لهذا التكذيب أخذهم العذاب، وهم ظالمون بما هم فيه من الشرك، ومستحقون لهذا العذاب الذي وقع عليهم.

المعنى التفصيلي:

- (ولقد) الواو للعطف على ما سبق من جرائم هذه القرية، واللام لام القسم لقسم مقدر، و (قد) حرف التحقيق لتأكيد الخبر الوارد في الآية؛ تنبيها للغافلين وإعلاما للسامعين.

- (جاءهم) أي أهل القرية المضروبة مثلا، وجاء في تفسير الآية السابقة أن هذه القرية ليست مكة، بل هي قرية تتشابه مع حال مكة قبل فتحها على يد النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء بيان ذلك في تفسير الآية السابقة.

وفي هذه تهديد لكفار قريش على ما يفعلونه مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن حال كفار قريش كحال كفار القرية المضروبة مثلا؛ لأن الكفر يعود دوما بنفس الحقيقة مع تغير الأزياء والألوان: رسول يأتي قوما أنعم الله عليهم، يدعوهم إلى الخير فيقابلونه بالتكذيب، فيأخذهم الله بالعذاب.

- (رسول منهم) أي من جنسهم، يفهمهم ويفهمونه، قال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين ... ) (إبراهيم: 4) فهو مبعوث إلى قومه بلسانهم وهو منهم، فهم يعرفون صدقه وأصله وأخلاقه، ويعلمون كل الدلائل الدالة على صدقه وسمو مكانته، ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل إلى الناس كافة، فإنما أرسل إلى قومه ابتداء (كما أرسلنا فيكم رسولا منكم ... ) (البقرة: 151) ثم إلى الناس كافة (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (سبأ: 28)

- (فكذبوه) أي كذب أهل القرية الرسول، وجاء العطف بالفاء لأنهم كذبوا الرسول بسرعة دون نظر أو بحث عن حقيقة؛ لأنهم لا يريدون الحقيقة بل يريدون أهواءهم، فهم لا يقبلون التفكير ولو قليلا في أي أمر يعارض شهواتهم وأهواءهم حتى ولو كان من عند الله سبحانه وتعالى.

- (فأخذهم العذاب) جاء العطف بالفاء دلالة على سرعة العذاب في مقابل سرعة الكفر.

وجاء التعبير عن الإهلاك بالأخذ؛ ليدل على أن هذا الإهلاك شامل لهم، ومتمكن منهم، فلن يفلت منهم أحد.

نقول - ولله المثل الأعلى -: أخذت الشيء إذ حزته ولم يفلت منه شيء، وأخذ الكفار بالعذاب معناه: إحاطة العذاب بهم وتمكنه منهم، وعدم إفلاتهم منه.

وانظر في قوله تعالى كيف كيف جاء التعبير عن الإهلاك بالأخذ: (فأخذهم أخذة رابية) (الحاقة: 10) (أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) (الأنعام: 44).

وانظر في قوله صلى الله عليه وسلم:

(إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) (هود:102) (صحيح البخاري ج4/ص1726)

فانظر كيف فسر النبي صلى الله عليه وسلم الأخذ بشدة العذاب وتمكنه من الكفار، وعدم إفلاتهم منه.

- (فأخذهم العذاب) جاء إسناد الفعل إلى العذاب، من باب التصوير الذهني في عقول السامعين، كأن العذاب ذو إرادة وانقضاض، يهجم على هذه القرية فيهلكهم ولا يفلت منهم أحد.

- (وهم ظالمون) جملة حالية لهؤلاء المعذبين، وهذه الجملة جاءت تأكيدا على ما هم فيه من الشرك والظلم والضلال، وتنبيها إلى أن تكذيبهم للرسول لم يكن من باب عدم قيام الحجة عليهم، بل كان كفرهم ظلم لمعرفتهم الحق، وهم رغم كل هذه المعرفة رموا بما جاء به الرسول عرض الحائط.

<<  <   >  >>