<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم) (115)

المفردات:

- باغ: من البغي، وهو: الظلم على وجه القوة والاستطالة.

- عاد: من العدوان، وهو: مجاوزة الحق إلى الباطل.

المعنى الإجمالي:

بعد أن أمرت الآية السابقة المؤمنين بأن يأكلوا الحلال الطيب ويؤدوا شكره، جاءت هذه الآية لبيان المحرم الذي ينحصر ليتبين الطيب الذي لا ينحصر، واستثني المضطر من حرمة الأكل إنقاذا لحياته، إلا أن يكون باغيا أو عاديا فإنه سوف يعاقب على الأكل بسبب عصيانه.

المعنى التفصيلي:

- (إنما) للقصر، أي: ما حرم عليكم إلا ... ، وجاء ما يؤكد هذا القصر في آيات أخرى، أذكر منها (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم (الأنعام:145) والشاهد (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ... )

ولكن كيف يفهم هذا القصر مع وجود نصوص صحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تحرم غير ذلك، فعلى سبيل المثال: فقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع (صحيح البخاري ج5/ص2103)؟

قد يقول قائل: إن هاتين الآيتين مكيتين، ولم يكتمل التشريع في العهد المكي.

فيقال للقائل: هذه آية سورة البقرة المدنية (إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم) (البقرة: 173) لم تزد شيئا على آية سورة النحل، وقد جاءت بـ (إنما).

وللجواب عن هذا لا بد من بيان أن القصر في اللغة يأتي بمعنى التخصيص، وينقسم إلى قصر حقيقي، وقصر إضافي.

ومثال القصر الحقيقي "لا إله إلا الله" أي لا معبود بحق إلا الله، وهذه حقيقة مطلقة سواء ذكرت مفردة، أو كانت في أي سياق أو أي موضوع.

والقصر الإضافي ليس قصرا حقيقيا عاما من جميع الوجوه، بل جاء قصرا بالإضافة إلى السياق والموضوع، ووجه كون القصر إضافيا أن الكفار الذين نزل القرآن بينهم كانوا يستحلون هذه المحرمات، فجاء الآية للرد عليهم بصيغة جازمة، فهي لم تحرم فقط بل كأنها حصرت هذه المحرمات في ما كان الكفار يستحلونه، كردنا على من يستحل صورة معينة من الإثم فنقول له: إنما الإثم ما تفعل. وليس القصد قصر الإثم على فعله ولكنه زيادة في الإنكار.

وهناك توجيه آخر لمعنى القصر في الآية، ومضمون هذا التوجيه أن الميتة هي: كل حيوان فارق الحياة ولم يذكى ذكاة شرعية، فيندرج تحت مسمى الميتة المنخنقة والموقوذة لأنها فارقت الحياة من غير ذكاة، ويندرج تحتها الخنزير والكلاب والسباع وغيرها من الحيوانات المحرمة في السنة؛ لأنها وإن ذبحت فذبحها ليس ذكاة شرعية.

- (الميتة) ويستثنى من تحريم الميتة أمور، منها صيد البحر؛ قال تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ... ) (المائدة: 96)، وأيضا ما جاء عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:: " أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالحوت والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال. (أحمد: رقم 5723) والحديث صحيح، وإن كان اختلف في رفعه ووقفه، ورجح بعض الحفاظ كالدارقطني وقفه، إلا أن الموقوف له حكم المرفوع، فالنتيجة واحدة.

- (والدم) مقيد بالمسفوح كما في قوله تعالى (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم) (الأنعام: 145) أما ما كان مخالطا للحم فغير محرم.

- (ولحم الخنزير) وشحمه وجلده، وعلى حرمة أكله كله انعقد الإجماع، ولكن لماذا خص اللحم بالذكر؟

قيل: لأنه الأنفع فيه.

وقيل: من باب التفنن في التعبير. وهذا ضعيف؛ لأن المغايرة في التعبير في باب الأحكام لا بد لها من فائدة.

وقيل: لئلا يظن أنه نجس العين، بل هو طاهر الذات كما هو مذهب مالك. وهذا فيه بعد؛ لأن تحريم أكله دون تخصيص اللحم بالذكر لا يدل على نجاسة ذاته، فالهر - مثلا - لا يجوز أكله ولكنه طاهر العين.

- (وما أهل لغير الله به) الإهلال رفع الصوت، والمقصود به النية، ولكن يفهم من التعبير برفع الصوت أن المشركين كانوا يرفعون أصواتهم عند الذبح لأصنامهم.

- (فمن اضطر) شارف على الهلاك، ولا يسمى من وجد بعض الطعام الذي يبقيه على قيد الحياة ويدفع عنه المرض المهلك مضطرا.

وهناك حديث ضعيف استدل به من يجوز الحرام لمن صعب الأمر عليه قبل أن يقع في الاضطرار، وهذا الحديث الضعيف هو ما روي عن الفجيع العامري أنه أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما يحل لنا من الميتة؟ قال: ما طعامكم؟ قلنا: نغتبق ونصطبح. - قال أبو نعيم: فسره لي عقبة: قدح غدوة وقدح عشية - قال: ذاك وأبي الجوع. فأحل لهم الميتة على هذه الحال. قال أبو داود: الغبوق من آخر النهار والصبوح من أول النهار (سنن أبي داود ج3/ص358).

فمن وجد الغبوق والصبوح فليس مضطرا، ويقاس عليه كل من وجد ما يقوم به أمره ولو على شدة.

- هل يجوز للمضطر أن يأكل فوق الضرورة حتى الشبع؟

في ذلك خلاف عند العلماء، والظاهر أن الأصل في هذه الأشياء التحريم، ولكن أبيحت للضرورة، فإذا اندفعت الضرورة رجعت الحرمة، ولذا لا يجوز بعد دفع الضرورة الاستمرار بالأكل حتى الشبع، وأما من قال بجواز الشبع استدل بما روي عن جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة ومعه أهله وولده، فقال رجل: إن ناقة لي ضلت فإن وجدتها فأمسكها فوجدها فلم يجد صاحبها فمرضت، فقالت امرأته: انحرها. فأبى فنفقت، فقالت: اسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله. فقال: حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتاه فسأله، فقال: هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا. قال: فكلوها. قال: فجاء صاحبها فأخبره الخبر، فقال: هلا كنت نحرتها. قال: استحييت منك (سنن أبي داود ج3/ص358)

والشاهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز لهم أكل الناقة الميتة دون بيان حد الأكل هل هو الشبع أو دونه، وعدم التفصيل في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم من المقال.

ولكن في تصحيح الحديث خلاف لأجل سماك بن حرب، والظاهر أن الحديث ضعيف لتفرد سماك بهذا الحديث، وهو وإن كان ثقة لكن حفظه ساء، ومثل معنى هذا الحديث لا يقبل من طريق تفرد بها من في حال سماك؛ لأن الحديث يتعارض مع الآية، فالآية لا تبيح لغير المضطر بالأكل، والحديث يبيح لمن لا يجد غنى يغنيه بالأكل من الميتة، رغم أنه يجد شيئا يدفع به الهلاك عن نفسه، فهو إذن غير مضطر. فالحديث ضعيف لتفرد سماك بمثل هذا الحديث، ومن هنا تعلم ضعف قول القائل: ليس في إسناده مطعن.

- (غير باغ ولا عاد) قيل: إن حال البغي والعدوان خاص بالمضطر، أي: من اضطر إلى أكل الميتة غير باغ ولا عاد فأكل فلا إثم عليه. وعلى هذا القول فإن الباغي هو من بغى على المسلمين بالخروج عليهم أو نحوه، والعادي من اعتدى على حقوق العباد بقطع طريق أو نحوه.

وقيل: إن حال البغي والعدوان خاص بأكل المضطر، أي من اضطر فأكل غير باغ أو عاد في أكله فلا إثم عليه. وعلى هذا القول فالباغي هو من يطلب المحرم والعادي من يتعدى حد الشبع.

وبناء على هذا الخلاف في بيان معنى البغي والعدوان في الآية وقع الخلاف في حكم أكل العاصي في سفره إذا اضطر إلى الطعام.

فعلى القول الأول - وهو قول الشافعي - فإنه لا يجوز للعاصي أن يأكل حتى يتوب؛ لأن الرخصة إعانة على السفر، فإذا كان السفر معصية، كانت الرخصة إعانة على المعصية.

وعلى القول الثاني - وهو قول أبي حنيفة - فإنه يجوز للعاصي أن يأكل وإن لم يتب؛ لأن إنقاذ النفس من الهلاك واجب؛ قال تعالى ( ... ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (النساء: 29) فإذا كان إنقاذ العاصي نفسه من الهلاك واجب، والميتة في حقه حرام فكيف يؤمر بفعل الحرام؟!!

والأصل في حمل اللفظ أن يحمل على عمومه ولا يخصص إلا بمخصص، فالبغي يشمل كل معانيه، وكذا العدوان، وعلى هذا فالعاصي بالبغي أو بالعدوان أو بالأكل لا يرفع عنه الإثم، فإن قال قائل: فإذا كان إنقاذ العاصي نفسه من الهلاك واجب، والميتة في حقه حرام فكيف يؤمر بفعل الحرام؟!!

الجواب عن هذا أن الله - سبحانه وتعالى - لم يأمر العاصي أن ينقذ نفسه بالحرام، بل أمره أن ينقذ نفسه بما أحل له من الميتة بأن يكون طائعا، فإذا أنقذ العاصي نفسه بأكل الميتة وكان ما يزال على عصيانه، كان معاقبا على عصيانه لا على إنقاذ نفسه. فتأمل بارك الله فيك.

- من صور البغي التي ذكرها المفسرون:

1 - الخارج على جماعة المسلمين.

2 - من يأكل المحرمات وهو يجد غيرها من الحلال.

- من صور الاعتداء التي ذكرها المفسرون:

1 - قطع الطريق.

2 - الأكل من المحرم فوق ما يدفع الضرورة.

- (فإن الله غفور رحيم) الجملة في محل جزم جواب الشرط (فمن اضطر غير باغ ولا عاد).

قيل: إن الفاء (فإن) تعليلية لجواب الشرط المقدر "فلا إثم عليه". وفي نهاية الأمر فإن المعنى واحد، وهو: رفع الإثم عن المضطر غير الباغي ولا العادي، ولكن الخلاف في كيفية تأدية الكلام لهذا المعنى.

- الغفور: اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى، بمعنى المتجاوز عن ذنوب عباده، وأصله في اللغة من الستر؛ والتجاوز عن الذنوب ستر لها فلا يحاسب عليها صاحبها.

- والرحيم: اسم من أسماء الله سبحانه وتعالى مشتق من الرحمة.

- ولكن لماذا قدم ذكر "الغفور" على "الرحيم" وليس العكس؟

قدم ذكر "الغفور" على "الرحيم"؛ لأن المغفرة سلامة، والرحمة غنيمة، والسلامة أولا ثم الغنيمة.

<<  <   >  >>