<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) (125)

المعنى الإجمالي:

بعد بيان أن الله - سبحانه وتعالى - أوحى إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يتبع ملة إبراهيم، أمره أن يستمر بالدعوة إليها، فالآية مرتبطة بقوله تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين) (123).

المعنى التفصيلي:

- (ادع) فعل أمر موجه إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - ابتداء ولنا أيضا، فنحن مأمورون بالدعوة إلى الله سبحانه وليس رسولنا - صلى الله عليه وسلم - فقط، ودل على هذا آيات وأحاديث صحيحة، أذكر من الآيات (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) (آل عمران: 104).

وأما من الأحاديث فأذكر قوله صلى الله عليه وسلم "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" (صحيح مسلم ج1/ص69)

- (ادع) حذف ذكر المفعول به؛ إبرازا لأمر الدعوة؛ لأن السياق سياق أمر بالدعوة إلى سبيل الله، وليس سياق تعيين المدعوين، وأيضا فإن حذف ذكر المفعول به - في هذا السياق - يدل على التعميم، أي أن الدعوة إلى الجميع.

- (سبيل ربك) أي الطريق التي أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده أن يسلكوها حتى يرضى عنهم.

- (ربك) إضافة السبيل إلى "الرب"؛ دلالة على أن الداعي إلى الله سبحانه مرعي بعناية الله ولطفه، لما في اسم "الرب" من معاني العناية والرعاية. والكاف للخطاب، وهو عائد إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ تكريما له.

- (بالحكمة) وأصل "حكم" في اللغة: المنع؛ ولذا سمي لجام الدابة: حكمة الدابة.

والحكمة تمنع صاحبها من الوقوع في الخطأ؛ ولذا فهي: الإصابة في القول والفعل، وأعلى حكمة على الإطلاق ما أوحى الله به إلى أنبيائه، وهو في حقنا: الكتاب والسنة.

وقيل: إن الحكمة هي الكتاب والسنة فقط؛ لقوله تعالى (ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ... ) (الإسراء: 39). وهذا ليس صحيحا؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من الشعر حكمة" (صحيح البخاري ج5/ص2276)

وقيل: هي الحجج العقلية أو ما كان في هذا المعنى، وذكر بعض المفسرين اصطلاحات "المنطق".

وهذا ليس صحيحا؛ لأن الحكمة لا تنحصر في القول، بل الحكمة تكون بالفعل أيضا، ويتحدد معنى الحكمة في القرآن وفق السياق الذي جاءت فيه، ولكن لا تخرج معانيها عن الإصابة في القول والعمل.

والحكمة في الدعوة إلى الله تكون باختيار الوقت المناسب والزمان المناسب والمكان المناسب والأسلوب المناسب والوسيلة المناسبة والقول المناسب، وهكذا .... .

ويفسر بعض المعاصرين بأن الحكمة هي اللين في الدعوة، وهذا تفسير لجزء من معاني الحكمة.

- (والموعظة الحسنة) اختلف في معنى الوعظ، فقيل: الكلام الذي تلين له القلوب. وقيل: زجر مقترن بتخويف.

والمعنى المستنبط من قوله تعالى (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) (النحل:90)، هو: أن الوعظ أمر وكذلك زجر، لأن الآية اشتملت على الأوامر والنواهي، فالوعظ نصيحة وإرشاد يبرز فيه معنى التذكير، وانظر في قصة نوح - عليه السلام - في "سورة هود": فلما سأل نوح - عليه السلام - ربه في شأن ابنه، قال له ربنا سبحانه وتعالى ( ... يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين) (هود: 46) أي: (أعظك)؛ لما سبق من إعلامك ( ... احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه إلا قليل) (هود:40) وكذلك قوله تعالى (يعظكم لعلكم تذكرون) يبين العلاقة بين الموعظة والتذكير.

- (والموعظة الحسنة) أمر الله - سبحانه وتعالى - بالوعظ الحسن وليس بأي وعظ؛ لأن من الوعظ والتذكير ما ليس بحسن، بل هو منفر، ومنه ما ليس له تأثير في النفوس.

- ولكن أليست الموعظة الحسنة من الحكمة، فلماذا ذكرت بعد ذكر الحكمة؟

الموعظة الحسنة من الحكمة؛ لأنها من جملة الصواب والحق، ولكن الحكمة أوسع؛ لأنها تكون في كل الأقوال من مواعظ وغيرها، وفي كل الأفعال، ولكن أفردت الموعظة بالذكر بعد الحكمة من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية.

وتكون الموعظة بالقرآن والسنة وأقوال الصحابة والسلف الصالح والعلماء والشعراء والقصص والوقائع والتاريخ والحقائق العلمية والأسلوب المؤثر وهكذا، وأسلوب الوعظ يختلف عن أسلوب التعليم؛ لأن أسلوب الوعظ يراعى فيه جانب القلب والتذكير والتأثير، بخلاف أسلوب التعليم الذي يغلب جانب العقل على جانب القلب.

- (وجادلهم) لم يأت النص "والمجادلة" لأن الواو عطفت الفعل (جادلهم) على (ادع) وليس على (والموعظة)، علما بأن المجادلة تصب في بحر الدعوة، ولكن الفرق الدقيق بينهما أن هدف الدعوة الأول هو إدخال الناس في الإسلام؛ ولذا فإن الدعوة تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، وأما الهدف الأول للجدال والمحاججة هو دفع الخصوم وإقامة الحجة، وبعدها يأتي هدف اقتناع المجادل بالحق؛ ألا ترى - رحمك الله - أن المسلمين يفرحون عند إفحام خصومهم من الكفار ولو لم يهتد منهم أحد؛ لأنهم حققوا الهدف الأول من الجدال، وإذا دخل أحد إلى الإسلام بسبب هذا الجدال فإن الفرحة عندهم تكتمل، وأما عندما يدعوا المسلمون غيرهم إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة، فإنهم لا يفرحون بمجرد الدعوة وإنما بحصول الاستجابة.

- (بالتي هي) الضمير "التي" متعلق بـ (جادلهم)، وهناك محذوف تقديره "وجادلهم بالمجادلة التي".

وضمير "هي" عائد على المجادلة، وللضميرين "التي" و"هي" دلالتهما على التأكيد على القول الأحسن في المجادلة، فلو قلنا في غير التنزيل "وجادلهم بالأسلوب الأحسن أو القول الأحسن" لما كان له وقع التعبير بالضميرين "التي" و"هي"، وتأمل معي - رعاك الله - الفرق بين النصين لتعلم روعة النص القرآني (وجادلهم بالتي هي أحسن).

- (أحسن) صيغة تفضيل يستفاد منها أن لا نجادل الكفار المجادلة الحسنة، بل علينا أن نجادلهم المجادلة الأحسن.

وصيغة التفضيل من حسن هي: أحسن، أما مؤنث حسن: حسنة، وصيغة التفضيل منها: حسنى، جاء النص (بالتي هي أحسن) وليس "بالتي هي حسنى"؛ لتضمين المجادلة معنى القول.

- ولكن لماذا جاء الأمر بالموعظة الحسنة وليست الحسنى، بينما جاء الأمر بالمجادلة بالأحسن وليس الحسن؟

جاء الأمر كذلك؛ لأن قليل اللين يفي بالغرض في الموعظة، بينما في المجادلة فإن قليل اللين لا يفي بالغرض، بل لا بد من الكثير منه؛ لما في المجادلة من المحاججة ومقارعة الخصوم مما يسبب نفور الخصم وتجلده أمام الحق، بينما الموعظة ليس فيها هذه المصادمة.

- (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) أي: يا محمد ادع فقط ولا تحزن على الكافرين؛ لأن الله هو أعلم بهم فيضل من يستحق الضلالة ويهدي من يستحق الهدى.

- (إن ربك) (إن) لتأكيد مضمون القول، والتعبير بـ "الرب" وإضافته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لتأنيسه وتسليته وإكرامه.

- (إن ربك هو أعلم) فلا أحد أعلم من الله سبحانه وتعالى، وضمير الفصل "هو" للدلالة على أن الله - سبحانه وتعالى- هو الأعلم وحده.

- (وهو أعلم بالمهتدين) وليس "بمن ضل عن سبيله وبالمهتدين"، بل أعيد ذكر ضمير الفصل "هو" والفعل "أعلم" ترسيخا لعقيدة أن الله - سبحانه وتعالى - العليم وحده، وجاء التفريق بالعطف بين المهتدين والضالين؛ لبيان أن المهتدين شيء والضالين شيء آخر.

- تقدم ذكر الضالين على المهتدين؛ لأن سبب الحزن الحاصل للنبي - صلى الله عليه وسلم - وللدعاة من بعده إنما هو بسبب الضالين، ولأن الكلام تسلية وتأنيس تقدم ذكر الضالين لإزالة سبب الحزن والضيق.

وقيل تقدم ذكر الضالين على المهتدين: لتهديدهم. وهو قول مقبول، ولكن القول بأن التقديم للتسلية أولى؛ لأن معنى الآية أي: يا محمد ادع إلى سبيل ربك فقط ولا تحزن على الكافرين؛ لأن من يضل فإنما يستحق الضلالة ومن يهتدي يستحق الهداية.

- جاء التعبير عن الضالين بالفعل "ضل" وعن المهتدين بالاسم "المهتدين"، (إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)؛ لأن الضلال أمر حادث على الفطرة، وإنما ولد الناس على الفطرة فضلوا بعدها، وأما الهداية فهي الأصل؛ ولذا جاء التعبير عنها بالاسم، وأيضا فإن الاسم "المهتدين" يتضمن الوصف بالهدى أقوى مما يتضمنه الفعل، وهذا تزكية للمهتدين.

<<  <   >  >>