<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) (126)

المعنى الإجمالي:

بعد أن أمر الله - سبحانه وتعالى - عبده محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، أمره أن يجادل بالحسنى من يعترض الدعوة بآرائه الفاسدة، وتبين هذه الآية مرحلة متطورة من العقبات أمام الدعوة ألا وهي قتال الكفار للمؤمنين؛ ولذا بينت الآية منهج التعامل مع هذا الاعتداء كما بينت منهج التعامل مع الأفكار الفاسدة بالجدال.

فهذه الآية تأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين معه أن يعاقبوا الكفار مثل مقدار اعتدائهم، وتحثهم على العفو؛ لأنه خير للصابرين. يقول تعالى (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين) (الشورى:40)

المعنى التفصيلي:

- وسبب نزول هذه الآية ما جاء عن أبي بن كعب قال: لما كان يوم أحد أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلا ومن المهاجرين ستة فيهم حمزة فمثلوا بهم.

فقالت الأنصار: لئن أصبنا منهم يوما مثل هذا لنربين عليهم قال فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله تعالى (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين)

فقال رجل: لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفوا عن القوم إلا أربعة.

رواه (الترمذي: 3054) و (أحمد، رقم: 21229) بسند حسن، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث أبي بن كعب. ورواه أيضا ابن حبان في (صحيحه ج2/ص239) ومن طريقه رواه الحاكم في (المستدرك على الصحيحين ج2/ص484) ورواه غيرهم.

وبهذا تعلم ضعف قول من قال: إن هذه الآية مكية. والصحيح أنها مدنية على قول من قال: إن المدني ما نزل بعد الهجرة بغض النظر عن المكان.

وبهذا تعلم أيضا ضعف قول من قال: إن الحديث الوارد في سبب النزول ضعيف.

- قيل: إن هذه الآية منسوخة بالقتال، والصحيح - والذي عليه الجمهور - أن الآية محكمة ولا تتعارض مع آية السيف؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يترك الجهاد بل فتح مكة وأذعن أهلها لجيش المسلمين، والآية تتكلم عن العفو فيمن يصلحه العفو كأهل مكة؛ فإنهم دخلوا بالإسلام.

- (وإن عاقبتم) وجاء النص بـ "إن" وليس بـ"إذا"؛ تقليلا من حوادث رد العقوبة حثا على العفو؛ لأن"إذا" تستعمل فيما هو محقق الوقوع، و"إن" تستعمل فيما هو مشكوك في وقعه، وقد تقع "إذا" مكان "إن" لغرض بلاغي، كقولك للبخيل تحثه على الإنفاق: إذا أنفقت في سبيل الله فإن الله يخلف ما أنفقت.

- (عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) أي إن انتقمتم من الكفار فانتقموا قدر اعتدائهم ولا تزيدوا على ذلك.

- (عوقبتم به) أي عاقبكم الكفار به على دعوتكم إلى سبيل الله. وبني الفعل لما لم يسم فاعله؛ لأن المهم هو وقوع العقوبة وليس تعيين من وقعت منه العقوبة.

ولا داعي أن نقول إن (عوقبتم) مشاكلة لـ (عاقبتم)؛ لأن ما فعله الكفار للمؤمنين هو عقوبة منهم للمؤمنين على دعوتهم حقيقة وليس من باب المشاكلة اللفظية.

- (ولئن) اللام موطئة للقسم، و"إن"حرف شرط، و لام (لهو) واقعة في جواب القسم، وهذا القسم إنما هو للتأكيد على خيرية العفو على الانتقام.

- (خير للصابرين) أي: خير لكم. وأقيم (للصابرين) مقام الضمير، حثا لهم على العفو بأنهم إذا فعلوه استحقوا هذا الاسم المتضمن لوصف الصبر.

- ويستدل بهذه الآية في مسألة الظفر، وهي: إذا ظلم رجل بأخذ ماله ولم يستطع أن يثبت ذلك، واستطاع أخذ ماله بطريقة لا تقع عليه فيها العقوبة ولا على أحد آخر ولا يتعدى على حرمة أحد، كدخول بيت لم يؤذن له بدخوله، فهل يجوز له استيفاء حقه؟

اختلف الفقهاء في ذلك، واستدل المبيحون بهذه الآية وبغيرها ممن في معناها، واستدل المحرمون بحديث " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك "

وقد حسن بعض العلماء هذا الحديث بمجموع طرقه، نظرا لمتابعة قيس بن الربيع لشريك، ولشاهد من طريق أيوب بن سويد.

ولكن في هذا التحسين نظر، فإن قيس بن الربيع لم يتغير حفظه فقط بل قد أدخل عليه ابنه أحاديث ليست له فحدث بها، وكذلك فإن أيوب لم يكن صدوقا يخطئ فقط، بل كان يسرق الحديث، فقد حدث بالرملة أحاديث عن ابن المبارك ثم جعلها بعد ذلك عن نفسه عن ابن المبارك، وقال النسائي فيه: ليس بثقة.

قال ابن الملقن: "حديث أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك. رواه أبو داود والترمذي والحاكم من رواية أبي هريرة. قال الترمذي: حسن غريب، وقال الحاكم على شرط مسلم، وله شاهد فذكره. وأعله ابن حزم وابن القطان والبيهقي، وقال أبو حاتم: منكر، وقال الشافعي: إنه ليس بثابت عند أهله، وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - من وجه صحيح. فقلت له طرق ستة كلها ضعاف كما أوضحتها في الأصل" (خلاصة البدر المنير ج2/ص150)

ولكن إن صح الحديث فإنه خاص بالأمانة؛ لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: قالت هند أم معاوية لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبا سفيان رجل شحيح، فهل علي جناح أن آخذ من ماله سرا؟ قال: خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف (صحيح البخاري ج2/ص769).

فقد أجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - لهند وبنيها أن يأخذوا حقهم من غير علم والدهم إن قصر في دفعه إليهم.

جاء في (إعانة الطالبين ج3/ص83): "وله - أي للشخص - بلا خوف فتنة عليه أو على غيره أخذ ماله استقلالا للضرورة من مال مدين له مقر مماطل به أو جاحد له أو متوار أو متعزز، وإن كان على الجاحد بينة أو رجا إقراره لو رفعه للقاضي؛ لإذنه - صلى الله عليه وسلم - لهند لما شكت إليه شح أبي سفيان أن تأخذ ما يكفيها وولده بالمعروف، ولأن في الرفع للقاضي مشقة ومؤنة، وإنما يجوز له الأخذ من جنس حقه، ثم عند تعذر جنسه يأخذ غيره، ويتعين في أخذ غير الجنس تقديم النقد على غيره"

وقال بعض العلماء: إن كان السبب ظاهرا كالزوجية والأبوة والبنوة جاز له الأخذ، وإن كان غير ظاهر كالقرض وثمن المبيع لم يجز له الأخذ. وقولهم هذا مبني على تصحيح حديث " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك " وجمعا بينه وبين حديث هند.

- استنبط العلماء من هذه الآية المماثلة بالقصاص، فمن قتل بحجر قتل بحجر، ومن قتل بسيف قتل بسيف، واستدلوا بما روي عن أنس رضي الله عنه أن يهوديا رض رأس جارية بين حجرين، قيل: من فعل هذا بك، أفلان أفلان؟ حتى سمي اليهودي، فأومت برأسها، فأخذ اليهودي فاعترف، فأمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض رأسه بين حجرين (صحيح البخاري ج2/ص850) وهذا قول جمهور العلماء.

<<  <   >  >>