<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون) (127)

المعنى الإجمالي:

بعد تعريض الآية السابقة بالعفو (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) جاء التصريح بالحث على العفو (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) وهذا عام لكل المؤمنين، وفي هذه الآية جاء الأمر خاصا للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالعفو، وجاء أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعفو بعد حث المؤمنين عليه؛ لأن مقام النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الأسمى والأرفع؛ ولذا كان حقه أن يفعل الأحسن لا الحسن، وكما يقال: حسنات الأبرار سيئات المقربين.

وتأمر هذه الآية النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصبر مستعينا بالله سبحانه وتعالى وحده، وتنهاه أن يحزن على الكفار لاختيارهم الكفر، وتنهاه أن يضيق صدره بسبب ما يمكرون للمؤمنين من المكائد والسوء.

المعنى التفصيلي:

- (واصبر) يا محمد، لعلو شأنك، ولرفعة منزلتك، فعليك أن تفعل الأحسن لا الحسن، والأكمل لا الكامل.

- (وما صبرك إلا بالله) لعلم الله - سبحانه وتعالى - بشدة هذا العفو على نفس النبي صلى الله عليه وسلم - لما لاقاه من أذى عظيم على مر سنين - مد له يد العون والتوفيق، ولأن الله هو وحده من يعين على الصبر فاستعن به وحده.

- (ولا تحزن عليهم) أي الكفار بسبب إعراضهم عن الذكر بعد إذ جاءهم، لأن من رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - شفقته على الكفار، قال تعالى (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) (الكهف: 6) وقال تعالى ( ... إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون) (فاطر:8)

وقيل (ولا تحزن عليهم) أي المؤمنين لما أصابهم من أذى. وهذا بعيد؛ لأنه لا يتوافق والسياق؛ وتأمل قوله تعالى (ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون).

- (ولا تك في ضيق مما يمكرون) أي: يا محمد لا يضق صدرك بسبب مكرهم.

- (في ضيق) أي مبالغا في الحزن، وهذا مستفاد من حرف الجر "في"، أي نهاه أن يكون حالا في الضيق كمن حل في مكان فكان محيطا به. أما مطلق الحزن الذي لا تخلو منه النفس البشرية فليس منهيا عنه.

- (ضيق) قرئت (ضيق) بالكسر، وهما - على المشهور - لغتان بمعنى واحد. وفرق بعضهم بينهما.

- (مما يمكرون) أي: "من ما". و"من" سببية، و"ما" إما أن تكون اسما موصولا، ويكون المعنى: "بسبب الذي يمكرون"، أو تكون "ما" مصدرية، ويكون المعنى: "بسبب مكرهم ".

- (يمكرون) والتعبير بالمضارع لا بالمصدر لحكاية الحال الواقعة في ذلك الزمن، وللدلالة على ما يحدث في المستقبل من المكر. وما زال الكفار يمكرون ويمكرون.

<<  <   >  >>