<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ((14)

المفردات:

- سخر: ساقه قهرا إلى الغرض المراد.

- لحما: المقصود به لحم الكائنات البحرية من الأسماك وغيرها.

- حلية: ما يلبس من الزينة، والمقصود هنا اللؤلؤ والمرجان وما يستخرج من البحر من زينة تلبس.

- الفلك: السفينة، ويطلق على المفرد والجمع، ويذكر ويؤنث.

- مواخر: جمع ماخرة، وهي السفينة تشق الماء مع صوت.

- تبتغوا: تطلبوا.

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآية السابقة نعم الله - سبحانه وتعالى - في البر، تبين لنا هذه الآية نعم الله في البحر.

ومن نعم الله - جل في علاه - أنه ذلل البحر لنا حتى استطعنا أن نصطاد منه الأسماك وغيرها مما يؤكل من هذه اللحوم الطرية، وذلل لنا البحر لنغوص فيه فنجمع اللؤلؤ والمرجان وما يتخذ زينة.

ومن نعمه أنه سبحانه وتعالى ذلل البحر لنا فنحن نركبه بالسفن العظيمة الجارية، والتي نسافر على ظهورها لتحصيل المنافع والربح، لعلنا بعد هذا كله نشكر الله سبحانه وتعالى.

فسبحان من جعل مما في البحر لنا طعاما وزينة، وأجرى السفن العظيمة فوق الماء دون أن تغرق.

المعنى التفصيلي:

- جاءت بداية الآية بـ (وهو الذي سخر البحر) بالضمير (هو) والاسم الموصول (الذي)، ولم يأت: " وسخر " فقط، وهذا للتأكيد على أن المسخر للبحر هو الله وحده لا أحد غيره.

- جاء التعبير (سخر) بالفعل الماضي لا المضارع مع أن البحر مازال مسخرا إلى غاية الآن؛ وذلك لأن التسخير سنة ربانية تم قضاؤها، فناسب التعبير بالماضي؛ وما نراه من التسخير هو من آثار القضاء الإلهي السابق، أي أنه قانون إلهي تم قضاؤه على البحر، فهو يسير بناء على ما قضي.

- (لتأكلوا منه لحما طريا) سمي السمك لحما؛ لأنه حيوان من جملة الحيوانات، وكونه بحري لا ينفي كونه لحما، ووصف بالطري؛ لأن لحم السمك أطرى من لحم حيوانات البر.

وقد ذكر بعض المفسرين أن " وصفه بالطراوة؛ لأن الفساد يسارع إليه ". ولكن هذا القول مما لا يناسب مقام الامتنان بنعم الله، لأن المعنى يكون حينئذ: وسخر لكم البحر لتأكلوا لحم السمك الذي يسارع إليه الفساد فتأكلونه طريا لئلا يفسد.

وهذا لا يناسب مقام الامتنان، وإنما الذي يناسب مقام الامتنان هو وصف لحم السمك بالطراوة الذي هو عنوان للذة لحوم السمك.

- جاء التعبير (تستخرجوا) وليس " تخرجوا "؛ لأن الاستخراج يدل على الطلب، فالذي يغوص في البحر يطلب اللؤلؤ والمرجان، فهو يستخرجهما، أي يطلبهما.

- قال بعض المفسرين: جاء التعبير (تلبسونها) مع أن لبس اللؤلؤ للنساء فقط، تغليبا للتعبير بالمذكر، أو لكون لبسهن لأجلهم.

ولكن جاء في (الفروع ج2/ص360) " فصل: وللرجل والمرأة التحلي بالجوهر ونحوه.

وذكر أبو المعالي: يكره للرجل التشبه، ولعل مراده غير تختمه بذلك "

أي أن التختم باللؤلؤ للرجال ليس من جملة التشبه بالنساء عند الحنابلة.

وهناك من العلماء من رأى الحرمة.

ومحل النزاع في لبس اللؤلؤ للرجال هو: هل لبسه من باب تشبه الرجال بالنساء أو لا؟

فمن قال هو من باب التشبه، قال بالحرمة أو الكراهة.

ومن لم يقل هو من باب التشبه، قال بالإباحة.

والقول بالإباحة موافق لظاهر الآية، ولكن فيما يجوز للرجل لبسه من الخواتم، لا الأساور في اليد، والقرطة في الأذن ونحو ذلك؛ لأنه من لباس النساء.

ولهذا قال القرطبي: " امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانا عاما بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء منه، وإنما حرم الله تعالى على الرجال الذهب والحرير " (تفسير القرطبي ج10/ص87)

- جملة (وترى الفلك مواخر فيه) معترضة، وجاءت هكذا من باب التعجيب، لأن من نعم الله - سبحانه وتعالى - في تسخير البحر صيد السمك واستخراج اللؤلؤ والمرجان واستخدام البحر للتجارة، ولكن لا بد من الانتباه إلى نعمة سير السفن العظيمة الثقيلة فوق الماء السائل، فأنت ترى السفن تسير فوق الماء فهل تفكر الناظر في نعمة الله وقدرته بسير السفن فوق الماء.

- (مواخر فيه) فيه إشارة إلى واقع السفن، حيث إن جزءا منها فوق الماء وجزءا تحته، وهي بهذه الكيفية تشق الماء شقا، ورغم شقها للماء فإنها لا تغرق.

- (ولتبتغوا من فضله) أي لتطلبوا التجارة والربح.

- (ولتبتغوا من فضله) جاءت الواو عطفا على (وتستخرجوا)، ولم تأت الآية بحذف حرف الواو: وترى الفلك مواخر فيه لتبتغوا من فضله؛ لأن عدم العطف لا يناسب سياق الامتنان بتسخير البحر، لأن المعنى يصبح حينئذ:

"وترى الفلك تشق ماء البحر لأجل تجارتكم ".

فأبرزت نعمة تسخير السفن لأجل التجارة، مع أن ما يناسب السياق هو إبراز نعمة سير السفن فوق الماء بصفتها صورة من صور تسخير البحر.

- (ولعلكم تشكرون) جاءت واو العطف (ولعلكم) لأن الجملة معطوفة على ما سبق من الحكم التي سخر الله - سبحانه وتعالى - البحر لأجلها.

<<  <   >  >>