<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) (26)

المفردات:

- المكر: صرف الآخر عما يقصده بحيلة.

- خر: سقط.

المعنى الإجمالي:

لما ذكرت الآية السابقة عاقبة الضلال في الآخرة، ذكرت هذه الآية عاقبة الضلال في الدنيا، فبينت الآية ما فعل الله سبحانه وتعالى بالسابقين من الكفار الماكرين؛ حيث إن الله أرسل عليهم العذاب فجأة، فدمر عليهم بيوتهم من قواعدها، وأهلكهم فلم يبق لهم عزة ولا قوة ولا منعة، بل لم يبق أحد منهم.

المعنى التفصيلي:

- (قد) في قوله تعالى (قد مكر) للتحقيق، وهو يفيد التأكيد، وجاء تأكيد مكر الأمم السابقة المهلكة؛ لأجل إبلاغ قريش بأن فعل السابقين المهلكين هو المكر الذي تمارسونه، فاحذروا فإن فعلكم يا قريش هو ذات فعلهم الذي استحقوا بسببه العذاب.

- أتى التعبير بـ (مكر) ولم يأت بـ " كفر "؛ لأن السياق يقتضي ذلك، حيث حاول الكفار خداع من يسألهم عن القرآن بأنه أساطير الأولين، وبأنهم على علم بهذا الأمر من جهة أنهم أعرف بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالقرآن الكريم، وكل هذا من باب الخداع، والمكر في اللغة هو: صرف الآخر عما يقصده بحيلة.

والحيلة متحققة في قول الكفار للسائلين " أساطير الأولين "، وأيضا فالوصف بالمكر - في هذا السياق - وصف بالكفر وزيادة، فالمكر متضمن للكفر في هذه الآية، أما الوصف بالكفر فلا يتضمن المكر، فكان الوصف بالمكر أعم وأدق وأحكم.

- (الذين من قبلهم) هم من كفر من الأمم السابقة، وجاء التعبير عاما (الذين من قبلهم) دون تخصيص قوم بالذكر؛ ليدل على أن عقوبة الماكرين سنة إلهية، والتعميم في بيان السنة الإلهية أبلغ من ذكر أمة معينة.

- (أتى الله) أي "أتى أمر الله " وفي هذه الجملة إيجاز بالحذف، أي حذف المضاف "أمر" وأقيم المضاف إليه، لفظ الجلالة " الله " مقامه.

وفائدة الحذف هنا بيان شدة العذاب - ولله المثل الأعلى - فالقول: جاءك الموت، مخيف أكثر من: جاءك سبب الموت، لأن حذف المضاف هنا كان أبلغ في التهديد.

ولله المثل الأعلى، (أتى الله بنيانهم) فيه تهديد أعظم من " أتى أمر الله بنيانهم "

- ذكر (القواعد) فيه دلالة على استئصال ما بنوه؛ لأن تدمير القواعد تدمير لكل البناء.

وأيضا، فإن القواعد هي أمتن شيء في البناء، والقوة التي تدمر الأمتن في البناء ستدمر باقيه بالأولى.

- جاء التعبير عن السقوط بـ (خر) للدلالة على سرعة السقوط؛ لأن معنى (خر) سقط، ولكن لا بد في هذا السقوط أن يسمع منه خرير، والخرير صوت الماء أو الريح، أو أي صوت شيء يسقط من علو.

- ولكن كيف يدل التعبير (خر) على سرعة السقوط؟

يدل هذا التعبير على سرعة السقوط بصدور صوت الخرير في أثناء السقوط، أي أن السقف أصدر صوتا في أثناء سقوطه بسبب سرعة السقوط.

وهذا التعبير يدل على شدة العذاب، الذي ينتج عنه سرعة تدمير القواعد، والذي ينتج عنه السرعة في سقوط السقف، والذي يتسبب في خروج صوت الخرير.

وهذا المنظر رأيته في عملية إزالة بناء، حيث وضعت المتفجرات في القواعد، وعندما تم التفجير، رأيت السقف يسقط بسرعة، فاستحضرت هذه الآية.

- جاء ذكر (عليهم) في قوله تعالى (فخر عليهم السقف) دلالة على أنهم دمروا مع بيوتهم؛ لأن السقف سقط وهم تحته.

- قد يسأل سائل لماذا جاء التعبير بـ (فوقهم) في قوله (السقف من فوقهم) علما بأن السقف لا يكون إلا فوقهم؟

لو قرأنا الآية دون كلمة (فوقهم) وقرأناها بكلمة (فوقهم) لحصل لنا عند قراءتها بكلمة (فوقهم) زيادة في تصور العذاب، ولحصل لنا استحضار صورة ذهنية لذلك السقف الذي يسقط من فوق.

وهذا كقوله تعالى: (أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير) (الملك:19)

فذكر (فوقهم) زيادة في تصور الأمر، وليحصل لنا استحضار صورة ذهنية لتلك الطيور التي تسبح في السماء دون أن تقع.

- هلاك الكفار بسبب السقف يبين عجيب صنع الله بهم، حيث بنى الكفار السقف ليحفظهم من المطر والشمس وغير ذلك، فصار ما صنعوه لحفظهم سببا لعذابهم وهلاكهم.

- (وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون) أي أتاهم العذاب بغتة.

<<  <   >  >>