للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين) (٦٦)

المفردات:

- الأنعام: اسم يطلق على الإبل والبقر والضأن والمعز.

- العبرة: ما يتعظ به.

- فرث: ما في البطن من الفضلات.

- اللبن: هو ما يخرج من ضروع الأنعام، وهو معروف، ولكنه يسمى في بعض البلاد كالأردن وفلسطين: حليبا، ويطلقون اللبن على غيره، فاقتضى التنبيه.

- خالصا: نقيا عن أي شائبة أو طعم سوى اللبن.

- سائغا: من ساغ يسوغ، أي: سهل دخوله في الحلق.

المعنى الإجمالي:

وتكمل الآية عرض الأدلة على وحدانية الله سبحانه وتعالى من خلال عرض عظيم مخلوقاته؛ لأنه لا يخلق العظيم إلا من هو أعظم منه.

ومن عظيم خلقه هذه الأنعام التي يشرب الإنسان لبنها، وهو لبن أبيض خالص عن الشوائب، سهل شربه.

ولكن من أين يتولد؟ إنه يتولد من بين ما في الكرش من الفضلات ومن بين الدم.

فسبحان من خلق اللبن الأبيض من غير لونه، وسبحان من خلق اللبن السائغ اللذيذ من الفضلات المقززة ومن الدم النجس!!

المعنى التفصيلي:

- جملة (وإن لكم في الأنعام لعبرة) معطوفة على جملة (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) (النحل: ٦٥) أي كما أن في إنزال المطر من السماء وإحياء الأرض عبرة، فإن لكم في الأنعام لعبرة أيضا.

- في الالتفات من الغيبة (إن في ذلك لآية لقوم يسمعون) إلى الخطاب (وإن لكم) كمال العناية الربانية بنا، ولو قلنا في غير التنزيل "وإن في الأنعام لعبرة " لدل على المراد، ولكنه لم يحمل معاني العناية الربانية بنا (لكم).

- في التأكيد بـ (إن) واللام في (لعبرة) مع ما سبق من الالتفات، دلالة على أن العبرة في الأنعام عبرة عظيمة، وأن الاعتبار بها هو حق لازم على هؤلاء العرب الذين يعيشون في بيئة رعوية، ويعتمدون اعتمادا شبه كلي على الأنعام.

- (لعبرة) أصل العبرة من العبور، حيث يعبر المعتبر بما علمه من الحالة المشاهدة إلى الحالة غير المشاهد.

فالحالة المشاهدة في هذه الآيات هي مخلوقات الله، والتي تعبر بعقولنا إلى الحالة غير المشاهدة أن الله عظيم مستحق للعبادة وحده.

- جملة (نسقيكم مما في بطونه) تفسير لجملة (وإن لكم في الأنعام لعبرة)، ولم تعطف جملة (نسقيكم مما في بطونه) على جملة (وإن لكم في الأنعام لعبرة)؛ وذلك لأن بينهما كما يقوم علماء البلاغة: كمال اتصال، ولأجل كمال الاتصال بين الآيتين لم يقع العطف، وهذا ما يسمى في علم البلاغة بـ "الفصل".

- (نسقيكم) قرأ ابن كثير، و أبو عمرو، وحفص عن عاصم، وحمزة والكسائي "نسقيكم " بضم النون، وقرأ الباقون بفتح النون.

- (نسقيكم) جاء إسناد السقيا إلى الله سبحانه وتعالى، رغم أن الظاهر في مشاهدة الناس أن الذي يحلب الأنعام ويعطي غيره ليشرب هو الساقي، و جاء إسناد السقيا إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الساقي الحقيقي هو الله، وأما بني البشر فهم يسقون غيرهم على سبيل النقل والحمل، لا على سبيل الإيجاد والإنعام.

- جاء النص (نسقيكم مما في بطونه) وليس " تشربون مما في بطونه"؛ لأن في ذكر السقيا إظهار لمنة الله سبحانه علينا؛ لأن المتبادر إلى الذهن عند ذكر الشرب هو فعلنا، وعند ذكر سقيا الله لنا، فإن المتبادر هو نعمة الله علينا.

- (مما) في قوله تعالى (مما في بطونه) هي "من" و "ما"، أي: "من الذي"، والمقصود بـ (مما في بطونه) هو: اللبن، و "من" تبعيضية؛ لأن البطن يحتوي على أشياء غير اللبن.

- جاء الضمير في (بطونه) مفردا مذكرا نظرا لمعنى الجنس، أي: مما في بطون ما ذكرنا من جنس الأنعام.

- وأما ما قيل من أن الأنعام هنا بمعنى النعم، والنعم هي الإبل، والنعم تذكر وتؤنث، ولذلك قال الله عز وجل (مما في بطونه) وقال في موضع آخر (مما في بطونها) (المؤمنون: ٢١) فأقول: هذا الكلام لا يناسب السياق الذي هو امتنان على البشر بما يشربونه من حليب من الأنعام، وفي القول بأن المقصود بالأنعام هنا الإبل فقط تضييق لدائرة الامتنان، علما بأن توجيه الآية ممكن من غير هذا التضييق الذي ينافي سياق الامتنان، والتوجيه يكون بما ذكرنا آنفا من كون الضمير في (بطونه) عائد على الجنس، وبغير ذلك من الأقوال التي لا داعي للإطالة بذكرها.

ومثل هذا كثير، وأضرب مثلا واحدا، وهو قوله تعالى (فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت) (الأنعام:٦٨) فعبر عن الشمس التعبير عن المؤنث "أفلت" وعبر عنها التعبير عن المذكر"هذا"، وكان التعبير عن المذكر بمعنى هذا الشيء الطالع.

- ما معنى (من بين فرث ودم)؟

الفرث هو ما في البطن من الفضلات. والدم معروف، وقد فسر السابقون كيف يكون اللبن من بين الفرث والدم، وفسروا الآية بما علموا من العلوم، ولا أريد أن أعرج على ما قالوه، لأن المقصود هو بيان معنى الآية لا تتبع الأخطاء.

والمقصود من الآية - في ضوء ما توصل إليه العلم لغاية الآن، والله أعلم بالصواب - أن العلف يهضم في المعدة، ثم يصير فرثا، وبعدها ينزل إلى الأمعاء الدقيقة، وبعد ذلك تمتص الخملات المواد الغذائية من الفرث، وهذه هي الخطوة الأولى، ثم يسير الغذاء في الدم، ويمر على الغدد اللبنية، وهناك تمتص الغدد اللبنية المواد الغذائية من الدم، وبعدها يتكون اللبن، فيتكون اللبن من بين الفرث أولا، ثم من بين الدم.

وعلى ما تقدم يكون بيان قوله تعالى (من بين فرث ودم) هو: يتكون اللبن من بين فرث أولا ومن بين دم ثانيا.

- (من بين فرث ودم) قدم ذكر الفرث على الدم؛ لأن الاستفادة أولا من الفرث وبعدها من الدم، فهو ترتيب وفق الوجود الطبيعي.

- (لبنا خالصا سائغا للشاربين) وهذا الدم المستخلص من الفرث والدم خالص لا يشوبه صفات الفرث ولا الدم، وزيادة على ذلك فإن الله يسر شربه، فهو سهل الشرب ولا يتعسر على الإنسان شربه وبلعه.

- ولكن لماذا لم يذكر النص اللبن في البداية، أي لماذا جاء النص بالمبهم أولا (مما في بطونه من بين فرث ودم) ولماذا لم يأت بالمبين بداية، أي: " نسقيكم لبنا خالصا " وبعدها (من بين فرث ودم)؟

والسبب هو أن أسلوب التشويق أبلغ في البيان، فابتدأت الآية بالمبهم تعظيما للأمر وتشويقا، ثم بينت أن ذلك الأمر العظيم في خلقه هو اللبن الذي لا تلتفتون إلى بديع خلق الله فيه.

- لماذا قدم (خالص) على (سائغا)؟

قدم (خالص) على (سائغا)؛ لأن الخلوص عن الآفات والشوائب والمضرات، أهم من سهولة البلع، ألا ترى أن الدواء غال مع أنه غير سائغ، وما ذلك إلا لنفعه وخلوصه عن الآفات، وهذا مثل اللبن الخالص، فإنه نافع لما فيه من الفوائد، ولأنه خالص من الآفات.

وأيضا، فإن اللبن إن لم يكن خالصا فلا يكون سائغا، لأنه كيف يستسيغ الإنسان بلع اللبن وفيه طعم الفرث أو الدم؟!!

- هذه الآية دليل على أن الاستحالة مطهرة، ومعنى الاستحالة، هو: تحول الشيء من مادة إلى مادة، فمثلا: الكلب النجس إذا حرق وصار رمادا، فإن الرماد طاهر وإن كان أصله كلبا؛ لأن جسم الكلب استحال إلى رماد، والرماد مادة أخرى غير جسم الكلب.

ومثال هذا هنا أن الدم نجس، ولكنه استحال من دم إلى لبن، فأصبح اللبن طاهرا؛ لأن الدم استحال من مادة إلى مادة أخرى (من بين فرث ودم لبنا خالصا).

والاستحالة مطهرة عند الحنفية والمالكية، ويترتب على هذا الأمر أحكام كثيرة، منها استحالة المواد النجسة واستعمالها في شتى الصناعات الغذائية والدوائية، واستحالة المياه العادمة، واستحالة الخلطات العلفية، وكيفية تطهير النجاسات المائعة وغير المائعة، وغير ذلك من المباحث، والتي لا يتسع المقام إلى عرضها.

<<  <   >  >>