<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) (35)

المفردات:

- البلاغ: تبليغ الخبر.

- المبين: الواضح.

المعنى الإجمالي:

بعدما بينت الآية السابقة عاقبة الكافرين، تبين هذه الآية صورة جديدة من صور الكفر والتكذيب، ولكن هذه الصورة تلبس ثوب الجدل والعلم، وما هي إلا الكفر بذاته.

فقال الكفار: إن الله لو شاء أن لا نشرك وأن لا نحرم الحلال لمنعنا، وإذ لم يمنعنا فإنه راض عن فعلنا.

فرد الله عليهم بأن الأمم السابقة فعلت فعلهم، فكانت عاقبتهم العذاب، وبينت الآية أن الرسل غير مكلفين بمتابعة الجدل العقيم مع الكفار، وإنما عليهم توضيح حقائق الدين وترك الكفار وجدلهم، إذ لا فائدة في مجادلة قوم لا يريدون الحق.

المعنى التفصيلي:

- جاء النص (وقال الذين أشركوا) وليس "وقالوا" لأن للتعبير بالاسم الموصول في هذا السياق دلالته في ازدراء المشركين، فإذا ما كنت تتحدث عن سارقين، وأردت ازدراءهم أكثر، فلا تقول "وقالوا" قاصدا السارقين، بل تقول "وقال الذين سرقوا".

- الكفار جبريون في عقيدتهم حيث إنهم قالوا: نحن مشركون؛ لأن الله أراد أن نكون مشركين (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء)

ولقد قال مقالتهم هذه فرقة ضالة من فرق المسلمين وتسمى الجبرية، قالوا: إن الإيمان والكفر جبر من الله على البشر، فشابه الضالون الضالين، فبعدا للقوم المكذبين!

ومن الغريب أن هذه العقيدة الفاسدة تدخل إلى قلوب بعض من يعتنقون الإسلام، وتدخل إليهم وهم لا يشعرون، حيث نقول لبعضهم: صل. فيقول لك: حتى يشاء الله. أي أن الله يشاء لي المعصية ولو شاء لي الإيمان لآمنت، وعلى هذا فقس جميع أنواع العبادات التي فرضها الله سبحانه وتعالى.

- الكفار أكدوا باطلهم، حيث إن إصرار الكفار على باطلهم سنة ماضية حاضرة مستمرة، فقد أكد الكفار باطلهم بعدة تأكيدات؛ حيث جاء الضمير (نحن) تأكيدا للضمير المتصل (عبدنا) في قوله تعالى (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا).

ومن التأكيد أيضا (من) الاستغراقية في قوله تعالى (من شيء) أي لو شاء الله ما أشركنا من دونه أي شيء، ولا حرمنا من دونه أي شيء.

ومن التأكيد إعادة النفي في قوله تعالى (نحن ولا آباؤنا) تأكيدا لما النافية (ما عبدنا) ولولا التأكيد لجاء النص "وآباؤنا".

- الكفار وقحون، ومن وقاحتهم أنهم يتبجحون بأنهم مشركون، وأنهم يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله.

وهذا شأن أعداء الإسلام - وإن تسموا بأسماء المسلمين - حيث يتبجحون بأنهم لا يقبلون قول الله إلا إذا وافق عقولهم، فانظر إلى الوقاحة كيف يتهمون الله بالجهل، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.

- (ولا حرمنا من دونه من شيء) إن طاعة أئمة الكفر في تحريم ما أحل الله، وجعل هذا التحريم شريعة تتبع هو عبادة لغير الله، قال تعالى (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) (الأنعام:121) والشاهد في الآية: أنكم إن أطعتم المشركين في أكل الميتة بناء على حلها، فإنكم مشركون حيث اتبعتم تشريعا غير تشريع الله، وهذا الاتباع عبادة لغير الله، ولذا سمي هذا المتبع مشركا.

- ولكن لماذا ذكر قوله تعالى (ولا حرمنا من دونه من شيء) بعد قوله تعالى (لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا) علما بأن التشريع من دون الله بالتحليل والتحريم وغيرهما هو كفر، فلماذا ذكر التحريم من دون الله بعد عبادة غير الله إن كان الأمران شيئا واحدا؟

ذكر التشريع من دون الله بعد ذكر الكفر وهما شيء واحد من باب ذكر الخاص بعد العام، وسبب هذا الذكر هو أهمية الخاص؛ لأن التشريع من دون الله كفر وزيادة، قال تعالى (إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين) (التوبة: 37).

فقد كان الكفار يتلاعبون في تحديد الأشهر الحرم، ويتخذون هذا التلاعب قانونا يسيرون عليه، فالنسيء هو تأخير العرب لشهر حرام وجعله مكان شهر حلال وجعل شهر حلال مكانه، وهذا الأمر كفر بشرع الله؛ لأنهم شرعوا دونه شريعة تتبع، ولكن التشريع من دون الله ليس كفرا فقط، بل هو كفر وزيادة (إنما النسيء زيادة في الكفر)، فهو كفر برفض أمر الله، وزيادة بتشريع شرع وقانون غير شرع الله.

ولأن التشريع من دون الله كفر وزيادة، ذكر أمره بعد ذكر الكفر من باب الأهمية.

- كيف يسمح الله للكفار أن يكفروا مع أنه يقول (ولا يرضى لعباده الكفر) ... (الزمر:7)؟

أعطى الله سبحانه وتعالى الخيار لعباده أن يختاروا ما يشاؤون، ولكنه يحب لهم الإيمان ويكره لهم الكفر، ولا تعارض بين حبه لهم أن يؤمنوا، وبين عدله بهم أن يختاروا ما يشاؤون.

وتأمل معي قوله تعالى (إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم) (الزمر:7) فهو سمح لهم بأن يختاوا الكفر (إن تكفروا فإن الله غني عنكم) ولكنه لرحمته بعباده (ولا يرضى لعباده الكفر).

وتأمل قوله تعالى في حرية العباد في الاختيار (ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من زكاها (9) وقد خاب من دساها) (الشمس)

- مجادلة الكفار للمؤمنين ليست لمعرفة الحق بل للتكذيب؛ قال تعالى (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا) (الأنعام: 148) فسمى سبحانه وتعالى قولهم هذا تكذيبا كتكذيب من سبقهم من الأمم؛ لأن المقصود من جدل الكفار وشبههم هو التكذيب لا طلب الحق.

ولكن ماذا علينا أن نفعل؟ لقد بين لنا القرآن أنه ليس علينا متابعة شبهات الكفار وجدلهم العقيم، بل علينا ما كان على الرسل وهو البلاغ الواضح، وبعدها للكفار أن يختاروا ما يشاؤون (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين) أي ليس على الرسل إلا البلاغ الواضح، وليس عليهم مجادلة كل ناعق، ولا إجبار الناس على الهداية.

ولو اتبع كثير من الدعاة هذا المنهج لما اشتغلوا في مجادلة منافقة تقول: ليس على المرأة لباس محدد بل تختار ما تشاء. وأشباهها كثير.

فيا دعاة الإسلام بينوا دين الله واتركوا الناعقين، فإنهم باعتنائكم بهم يصعد نجمهم ويعرفون، دعوهم فإن الحق ليس مطلبهم بل هم المكذبون.

<<  <   >  >>