<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) (36)

المفردات:

- اجتنبوا: ابتعدوا.

- الطاغوت: كل ما عبد من دون الله، ولم يرفض هذه العبادة، ويستعمل في المفرد والجمع.

- حقت: وجبت ولزمت.

- عاقبة: آخر كل شيء.

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآية السابقة ضلال الكفار وتكذيبهم لدين الله، وبينت أن الرسل غير مكلفين إلا بالبلاغ المبين، تبين هذه الآية أن الله أرسل الرسل فبلغوا الرسالة وأدوا الأمانة، وكان من نتيجة تبليغهم أن آمن من آمن وكفر من كفر، فأهلك الله الكافرين، وهذه مساكنهم يراها الناظرون حتى تكون عبرة.

المعنى التفصيلي:

- الآية تفصيل للآية السابقة؛ لأن الكفار قالوا: إن الله أراد لنا الكفر. فبينت هذه الآية أن من الناس من يهتدي، ومنهم من يضل، وأن الأمر اختيار من المدعوين، ولأن الله لا يرضى عن الضلال، عذب الضالين وأهلكهم.

وتفصل الآية أن الرسل الذين عليهم البلاغ، قاموا بما أمروا به، ولكن الضالين لا ينفعهم الإرشاد والهداية بل لا بد من وقوع العذاب بهم.

- (ولقد بعثنا) جاء الإخبار عن مبعث الرسل مؤكدا بـ"اللام" و"قد" لأن الآية في سياق تهديد للمشركين الرافضين لدعوة الرسل، والقائلين بأن الله يريدهم أن يكفروا.

- جاء في الآية التفات من أسلوب الغيبة إلى أسلوب المتكلم، وتأمل معي الأسلوب في الآية السابقة تجده أسلوب الغيبة (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين).

ولكن الأسلوب في أول هذه الآية هو أسلوب المتكلم (بعثنا)، وهذا التحول في الأسلوب يدل على عظيم أمر بعث الرسل في كل أمة، فاختيار الرسل والعناية بهم وإمدادهم بالرسالات وبالتأييد، ومعاقبة مكذبيهم، كلها أمور عظيمة.

وكذلك يدل على عظيم فضل الله علينا؛ لأننا لولا بعث الرسل ما عرفنا الحق من الضلال، فسبحان من بعث الرسل إلينا رحمة بنا!

- قدم الجار والمجرور في قوله تعالى (في كل أمة رسولا) لأن المعنى المقصود أصالة أنه ما خلت أمة عن رسول يبلغها رسالة الله. ولو قلنا في غير التنزيل "رسولا في كل أمة" لصار المعنى المقصود أصالة هو: أن عدد الرسل متعدد بتعدد الأمم.

- جاء النص (في كل أمة) ولم يأت " لكل أمة " لأن حرف "اللام" يدل على أن بعث الرسول كان لأجل الأمة المبعوث لها، ولكن حرف "في" يدل على الظرفية، والتي يفهم منها دخول الرسول في الأمة؛ كل الأمة، وكل طبقاتها وأفرادها، كي لا تبقى جماعة منها إلا ووصلها البلاغ، فالرسول مرسل للأمة، وزيادة على ذلك هو مرسل في الأمة.

- ورسالة الرسل هي (أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت) فـ"أن" مفسرة لدعوة الرسل.

- (اعبدوا الله) أي وحده، وتأكيدا على توحيد الله جاء الأمر باجتناب الطاغوت (واجتنبوا الطاغوت) ولم يأت النص "اتركوا" بل (اجتنبوا)؛ لأن الاجتناب ليس تركا فقط، بل هو ترك وزيادة، لأن معناه الابتعاد.

- الطاغوت: كل ما عبد من دون الله، ولم يرفض هذه العبادة، لأن عيسى عليه السلام عبد من دون الله ولكنه لا يرضى عن هذه العبادة، فلا بد من قيد "ولم يرفض هذه العبادة".

- (فمنهم) من للتبعيض، أي بعضهم، وذلك في قوله تعالى (فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة)

- (من هدى الله) في الآية التفات من أسلوب المتكلم (بعثنا) إلى أسلوب الغيبة (هدى الله) ليتم إسناد الهداية إلى الله؛ لبيان فضله ومنه، وللرد على الكفار أن الله يهدي عباده، وأن الضلال الذي هم فيه ليس جبرا من الله بل باختيارهم.

ولكن من هذا الذي يهديه الله؟ إنه من يقبل على الله سبحانه وتعالى، قال تعالى (ويهدي إليه من ينيب) (الشورى:13) أي أن الله يهدي من يعود إليه ويتوب.

وفي هذا رد على من تقول له: اتق الله، أو تأمره بالصلاة، فيقول لك: إذا أراد الله هدايتي فسيهديني.

فنقول له: أقبل على الله وتب إليه فسيهديك، واسمع قوله تعالى (ويهدي إليه من ينيب) (الشورى:13)

- الهداية باب من يطرقه يفيض الله عليه الهداية دون تحصيل بالأسباب، بل برحمته سبحانه وتعالى؛ قال تعالى (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى) (مريم: 76) ويقول تعالى (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) (الكهف: 13) فالفتية آمنوا واهتدوا، ولأجل هذا جاءهم فيض الهداية الرباني.

- (ومنهم من حقت عليه الضلالة) جاء التعبير بـ (حقت عليه الضلالة) وليس "أضله الله"؛ لأن الذي ضل إنما ضل بنفسه فاستحق الضلالة ووجبت عليه ولزمته، أما الله فإنه لا يرضى لعباده أن يكفروا (ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم) (الزمر:7).

- جاء النص بـ (الضلالة) وليس "الضلال"؛ لأن من الضلال ما لا يكون مذموما؛ لأنه قد يكون بسبب عدم وصول العلم إلى صاحبه، قال تعالى (ووجدك ضالا فهدى) (الضحى: 7) فليس المراد بالضلال هنا اتباع الباطل، بل عدم وصول علم الدين للنبي صلى الله عليه وسلم.

وأيضا، فقد قال أخوة يوسف في حق أبيهم يعقوب عليه السلام (إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين) (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم) (يوسف: 8، 95) ولم يقصدوا بالضلال الكفر، وإنما قصدوا في الآية الأولى - بزعمهم - خطأ أبيهم في تفضيل يوسف وأخيه، وفي الآية الثانية حب أبيهم ليوسف عليه وعلى أبيه السلام.

وقد يدل (الضلال) على الكفر (وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة إني أراك وقومك في ضلال مبين) (الأنعام:74)، أما (الضلالة) في القرآن فهي بمعنى الكفر، وجاءت بالقرآن بلفظ (الضلالة) (وضلالة) (وضلالتهم) وكل معانيها في القرآن تشير إلى الكفر.

- قدم الجار والمجرور (عليه) في قوله تعالى (ومنهم من حقت عليه الضلالة)؛ لأن سياق الكلام عن الضالين وليس عن الضلالة، ولذا ناسب تقديم (عليه) لإبراز موضوع السياق.

- (فسيروا في الأرض فانظروا) الذهاب إلى آثار الأمم المهلكة لغاية الاعتبار ينمي الخوف من الله سبحانه في قلوب المعتبرين.

- وفي قوله تعالى (فسيروا في الأرض فانظروا) التفات من الغيبة إلى الخطاب، لأنه أمر، وقوة الأمر بالمواجهة، وتأمل معي الالتفات في الآية (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين)

- (كيف كان عاقبة المكذبين) جاء النص بـ (كان) مع أن العاقبة مؤنثة، وذلك لأن العاقبة ضمنت معنى العذاب، وبهذا صار المعنى " كيف كان عذاب المكذبين".

<<  <   >  >>