<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين) (39)

المفردات:

- يبين: يكشف ويظهر.

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآية السابقة أن بعث الموتى حق، تبين هذه الآية الحكمة من هذا البعث، وهذه الحكمة هي بيان الحق وبيان الباطل بأوضح بيان وأوضح عاقبة، إما جنة وإما نار، وليعلم الكفار أنهم كذبوا بإنكارهم البعث.

المعنى التفصيلي:

- (ليبين) اللام هي لام التعليل، أي سيبعث الله من يموت لأجل أن يبين لهم.

- (لهم) أي لكل الخلق.

- قد يسأل سائل: ألم يبين الله الحق من الباطل للخلق في الدنيا، فلماذا جعل البيان علة للبعث؟

والجواب عن هذا: أن بيان الدنيا غير بيان الآخرة؛ لأن بيان الدنيا سماع وخبر، وبيان الآخرة معاينة ونظر، فهو بيان حسي زيادة على البيان النظري، فإن البيان القاطع للحق والباطل يكون بخلود المؤمنين في الجنة، وبخلود الكفار في النار.

- وجاء التعبير عن المختلف فيه بالموصول (الذي) في قوله تعالى (الذي يختلفون فيه) لعظمه وارتفاع مكانته.

وقال بعض المفسرين: إن المختلف فيه هو الحق، وقال بعضهم: إن المختلف فيه هو كل شيء اختلف فيه. ولا فرق بين القولين؛ لأن المقصود من بيان المختلف فيه ما كان من جنس الحق، ويدخل ضمنه حقوق الله المترتبة على عباده من عبادته وتوحيده وغير ذلك، وكذلك من ضمنه حقوق العباد المتنازع فيها، أما الأمور التي ليس فيها حق وباطل فلا تدخل ضمن المختلف فيه، ومثاله: اختلاف اثنين في مسألة كيميائية أو حرفية أو غير ذلك من المباحات التي لا تتعلق بها حقوق. وهذا القول بناء على ما قيل آنفا: إن المختلف فيه هو الحق، أو: إن المختلف فيه هو كل شيء اختلف فيه. ولكن الراجح أن ما اختلف فيه هو أمر بعث الله الموتى، وسيأتي الدليل على هذا.

- جاء التعبير بالمضارع (يختلفون) في قوله تعالى (الذي يختلفون فيه) ولم يأت بالماضي (اختلفوا)، لأن في ذكر المضارع إشارة إلى إبراز أمر معين من الأمور المختلف فيها، وهذا الأمر واقع زمن نزول الآيات، ويتبين من السياق.

وتأمل معي الآية السابقة لتعلم ما الأمر الذي يشير إليه الفعل المضارع (يختلفون) قال تعالى (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون) (38).

أعرفت - بارك الله فيك - ما هو الأمر؟ إنه أمر حاضر وقت نزول الآيات، وهو ما يدل عليه السياق، أعرفته؟ إنه أمر بعث الله الموتى يوم القيامة.

- الجزاء هو غاية البعث، فلماذا لم يذكر في الآية؟

لم يذكر الجزاء في الآية؛ لأن الآية تبين أن الله يبعث الخلق ليبين لهم الذي يختلفون فيه، وذروة البيان في الآخرة تكون بالجزاء، فالجزاء نوع من أنواع البيان، ولذا أغنى ذكر البيان عن ذكره.

- (وليعلم) أي ليعلم الكفار، والواو للعطف، واللام للتعليل، أي ويبعث الله الخلق لأجل أن يعلم الكفار أنهم كانوا كاذبين بقسمهم على أن الله لا يبعث الموتى.

- (الذين كفروا) ذكر الموصول (الذين) ازدراء للكفار؛ لأن للاسم الموصول دلالته حسب السياق، وهذا معلوم لمن مارس علم المعاني واللغة.

- ذكرت الآية تعليلين لبعث الله سبحانه وتعالى الخلق يوم القيامة:

التعليل الأول هو: بيان الذي اختلف فيه.

والتعليل الثاني: ليعلم الكفار أنهم كانوا كاذبين بقسمهم على أن الله لا يبعث الموتى

فلماذا خص الكفار بالذكر بعد البيان العام للخلق أجمعين؟

خص الكفار بالذكر بعد البيان العام للخلق أجمعين، من باب ذكر الخاص بعد العام للأهمية، حيث إن السياق سياق إنكار على الكفار، وهو سياق تهديد أيضا، فناسب ذلك إفراد الكفار بالذكر زيادة في الإنكار وزيادة في التهديد.

- أسند العلم للكفار (وليعلم الذين كفروا) ولم يأت "وليعلموا أن الذين كفروا"، لأن في هذا الإسناد قوة في التهديد، لأن الكفار هم من سيعلم ما سيحل من العذاب بهم.

- جاء التعبير بالبيان أولا (ليبين لهم الذي يختلفون فيه) ثم جاء التعبير بالعلم ثانيا (وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين)، فلماذا هذا الاختلاف في التعبير؟

جاء هذا الاختلاف لأن ذكر البيان أولا ثم العلم؛ لأن العلم يأتي بعد البيان، ففي بداية الأمر تكشف الحقائق ثم يكون العلم نتيجة لهذا الكشف.

- أتى النص (وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين) وليس " وليعلم المؤمنون أنهم كانوا صادقين"؛ لأن السياق سياق تهديد للكفار وليس سياق مدح للمؤمنين.

- جاء التعبير باسم الفاعل (كاذبين) وليس بالفعل (كذبوا) لأن الكفار لم يكذبوا في الدنيا كذبة ما، بل كان الكذب حرفتهم، فلما استمروا على الكذب استحقوا أن يطلق عليهم اسم الفاعل (كاذبين).

ووصفهم باسم الفاعل فيه تهديد لهم، لأن عقوبة من تمرس على الكذب ستكون عظيمة، لأن شدة العذاب تزداد مع عظم الذنب.

- التعبير بـ (كان) في قوله تعالى (كانوا كاذبين)) أقوى في الدلالة؛ لما تعنيه "كان" من الوجود، للتنبيه على أنه قد وقع حقا.

- وجاء تأكيد تهديد الكفار بأمور، منها:

- إسناد العلم إلى الكفار.

- وحرف التأكيد (أن)

- والفعل (كان)

- ووصفهم باسم الفاعل (كاذبين)

<<  <   >  >>