<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) (40)

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآيات السابقة إنكار الكفار لبعث الله الموتى، وبينت الحكمة من البعث، تبين هذه الآية أن الله قادر على بعث الموتى، وأن هذا الخلق لا يتطلب منه سبحانه و تعالى إلا أمرا.

المعنى التفصيلي:

- في الآية التفات من الغيبة إلى المتكلم، ثم رجوع في الآية التالية إلى الغيبة، وسبب هذا الالتفات إلى المتكلم هو التعظيم لأمر الخلق، والتهديد للكفار.

وتأمل معي سياق الآية (ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41))

- هل القول في (إنما قولنا) من التمثيل أم من باب الخطاب الحقيقي؟

ذهب المفسرون إلى قولين حول ذلك:

فقول بأن هذه الآية تمثيل لسرعة قدرة الله سبحانه على الخلق.

وقول بأن هذه الآية دليل على سرعة خلق الله لما يريد، ولكن هذه الآية ليست من باب التمثيل، بل خلق الأشياء يكون بخطاب حقيقي من الله، خطاب يليق بجلاله سبحانه.

وظاهر الآية أنه سبحانه وتعالى يخلق الأشياء بخطاب، لأن الخلق يكون بالإرادة أولا وبعدها يكون بالخطاب، قال تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس:82) فالإرادة أولا ثم الخطاب.

- الآية دليل على أن كلام الله صفة من صفاته، وأنه ليس مخلوقا، لأن كلامه سبحانه لو كان مخلوقا، للزم القول قولا آخر حتى يخلقه، مما يلزم منه التسلسل، أي يلزم كل قول قولا آخر إلى ما لا نهاية، وهذا ممتنع، فدل على أن كلامه سبحانه وتعالى صفة من صفاته غير مخلوق.

- في الآية دليل على أن الإرادة صفة من صفات الله سبحانه وتعالى، ودليل على أن أمر الخلق يكون إذا كانت الإرادة (إنما قولنا لشيء إذا أردناه).

- قد يقول قائل: إذا كان الشيء المخاطب معدوما فيستحيل مخاطبة المعدوم، وإذا كان الشيء مخلوقا فلماذا الأمر بخلق المخلوق؟

قال المفسرون: أطلق الشيء على المعدوم؛ لأنه معلوم في علم الله، وهو حتمي الوقوع، فأصبح كالموجود.

وقالوا: هو من باب إطلاق الشيء على ما سيكون، كقوله تعالى حاكيا قول نوح عليه السلام (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) (نوح:27) علما بأن المولود لا يكون فاجرا كفارا إلا بعد أن يكبر، فأطلق اسم الفجور والكفر على من سيولد باعتبار ما سيكون.

ولكن لا يستقيم هذان القولان مع إخبار الآية بأن الله يوجه الخطاب للمعدوم (أن نقول له كن)، فـ (له) تدل على أنه خطاب حقيقي للمعدوم.

وقال الزجاج: إن اللام في قوله تعالى (لشيء) هي لام سببية، فالمعنى على ذلك: لأجل شيء، وكذلك في (له) أي: لأجله، حيث يكون معنى الآية، إنما قولنا لأجل شيء أردنا إيجاده أن نقول لأجله كن فيكون.

وعلق بعض المفسرين على قول الزجاج بأنه غير واضح، وأنت كما تراه فإنه واضح، والقول بأن اللام سببية أوضح من تكلف تعليل إطلاق الشيء على المعدوم.

ومثله اللام الواردة في قوله تعالى (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا) (الكهف: 23) فاللام في كلمة (لشيء) لام سببية، أي: لأجل شيء.

- وقرئ (فيكون) أيضا بالنصب عطفا على (نقول).

- والعطف بالفاء في قوله تعالى (فيكون) يدل على سرعة الخلق إذا أراده الله سبحانه وتعالى.

- جاء نص الآية بـ (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) مسوقا لبيان أن خلق الله سبحانه للأشياء لا يزيد على (كن) ولذا أتى ذكر الإرادة (إذا أردناه) من باب الاحتراس، وهو ما يعرفه عامة المثقفين بالجملة المعترضة، وإن كان بين الاحتراس والاعتراض فرق، ولكن ذكرت هذا من باب التقريب إلى الأفهام، بينما جاءت النصوص الأخرى بذكر شرط الإرادة أولا؛ لأنها جاءت في سياق بيان الحقائق وليس في سياق الرد المباشر على منكري قدرة الله على الخلق.

فلقد جاء قوله تعالى (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ردا مباشرا على قسم الكفار بأن الله لا يبعث الذين يموتون (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت).

وكذلك قوله تعالى (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) (يس: 82) ذكرت فيه الإرادة على سبيل الاحتراس (إذا أراد)؛ لأن الآية مسوقة لبيان أن خلق الله للأشياء لا يزيد على (كن)؛ لأن الآية رد على الكفار حينما أنكروا البعث (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم) (يس: 78)

بينما تأمل معي الآيات التي ذكر فيها شرط الإرادة أولا وليس على سبيل الاحتراس؛ لأن المقصود من سياق الآيات تقرير الحقائق لا الرد المباشر.

(ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم (115) وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه بل له ما في السموات والأرض كل له قانتون (116) بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (117)) (البقرة)

فسياق الآيات - كما ترى - ليس ردا على إنكار قدرة الله على الخلق.

(قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) (آل عمران: 47)

الآية بيان لمريم وليس ردا على إنكارها قدرة الله على الخلق؛ لأنها مؤمنة قانتة، قد تحتاج للبيان، والتبيين لها لا يعني إنكارها.

(ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون) (مريم: 35)

الآية بيان بأن الله لا يحتاج لأحد ولا لولد لأنه قادر على أن يخلق ما يشاء، وليست ردا على منكري قدرة الله على الخلق.

(هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67) هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68)) (غافر)

الآيات ليست في سياق الرد على منكري قدرة الله على الخلق، ولكنها في سياق بيان قدرة الله على الخلق.

والفرق بين أسلوب ذكر شرط الإرادة على سبيل الاحتراس، وأسلوب تصدير الكلام بذكره، أن ذكره على سبيل الاحتراس يدل على أنه لم يكن المقصود في الدرجة الأولى، بل المقصود في الدرجة الأولى بيان سهولة خلق الله للأشياء، وأن الأمر كله لا يتعدى (كن).

وإن كنت لا أريد أن استطرد، ولكني استطردت رغما عني؛ لأنني لو لم أستطرد، لكان بيان ذكر شرط الإرادة على سبيل الاحتراس في الآية غامضا لا يفهمه إلا قلة من الناس؛ ولذا آثرت الاستطراد رجاء التسهيل، سائلا الله أن أكون قد وفقت إلى ذلك!

<<  <   >  >>