<<  <   >  >>
مسار الصفحة الحالية:

(والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) (41)

المفردات:

- هاجر: انتقل من مكان إلى مكان.

- لنبوئنهم: لنسكننهم، وبوأه منزلا هيأه ومكن له فيه.

المعنى الإجمالي:

بعد أن بينت الآيات السابقة حال الكفار، تبشر هذه الآية المؤمنين المهاجرين بما أعده الله لهم من الجزاء الكبير في الدنيا، ومن الجزاء الأكبر في الآخرة.

المعنى التفصيلي:

- (والذين هاجروا) هم قوم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن يندرج في المعنى كل من هاجر في الله؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

- وجاء التعبير بـ (هاجروا) وليس "هجروا"؛ لأن صيغة (هاجروا) تدل على المفاعلة، ولتقريب المعنى، فإن صيغة المفاعلة تدل على أن الفعل من طرفين، فالكفار هم من هجر المؤمنين في مكة، وذلك بظلمهم وأذاهم للمؤمنين، مما اضطر المؤمنين إلى الهجرة، فكانت مهاجرة من طرفين، وهذا هو الفرق بين (هاجروا) و"هجروا".

ومثله الفرق بين "صبر" و"صابر" في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا) (آل عمران:200) فالصبر معلوم المعنى، ولكن المصابرة هي الصبر أمام صابر آخر، فهو صبر من جهتين، ولذا فالمصابرة أشق من الصبر.

- (هاجروا في الله) أي: لأجل الله؛ لأن معنى "في" هنا التعليل، كقول النبي -صلى الله عليه وسلم: دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلم تطعمها، ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض. (صحيح البخاري ج3/ص1205/باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم)

- أسند الفعل (ظلموا) إلى المجهول، علما أن الظالمين هم كفار قريش، ولكن أسند للمجهول؛ لأن المهم في هذا السياق هو الإخبار عن وقوع الظلم على المؤمنين، وليس تعيين من أوقعه؛ وليندرج تحت النص كل من ظلم في الله، سواء على يد قريش أو على يد غيرهم على مر العصور والدهور.

- الظلم الذي يوقعه الكفار على المؤمنين لا ينحصر في الإيذاء البدني، بل يلجأ الكفار إلى الإيذاء النفسي للمؤمنين، باتباع أسلوب السخرية والاستهزاء، وما زال الكفار يدأبون على ظلم المؤمنين وعلى قتلهم وسجنهم ونفيهم وحصارهم وتشويه سمعتهم، بل ويوظف الكفار صفات الفضل والطهارة التي يمتاز بها المؤمنون ضدهم، ألا ترى أن قوم لوط اتخذوا من طهارة نبيهم سببا لطرده (وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون) (الأعراف: 82)

بل ويحاول الكفار في كل زمن أن يبتكروا من الطرق ما لم يكن مستعملا عند من سبقهم، وما مليارات الدولارات التي ينفقها الكفار في هذا الزمن إلا في سبيل ظلم الذين آمنوا.

- (لنبوئنهم) اللام للقسم، والقسم مؤكد، وكل هذا توكيد على التبوئة الحسنة للمؤمنين في الدنيا.

- في قوله تعالى (لنبوئنهم) التفات من الغيبة إلى المتكلم.

وتأمل معي سياق الآية بارك الله فيك

(والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون)

وهذا الالتفات لتأكيد وعد المؤمنين بخيري الدنيا والآخرة ولتعظيم أمره.

- ولما كانت الهجرة بترك الأوطان والسكن، جاء أجر المهاجرين بتهيئة السكن لهم (والذين هاجروا في الله ... لنبوئنهم)، وهذا ما يسمى في المحسنات اللفظية بالطباق.

- (حسنة) صفة لمصدر محذوف، أي: لنبوئنهم تبوئة حسنة، والتبوئة الحسنة تلك التبوئة التي لا شر فيها، بل فيها الخير زيادة على خلوها من الشر.

ولكن ما المقصود بالتبوئة الحسنة؟

التبوئة الحسنة، هي الإسكان الحسن، بما في ذلك الرزق والأمان وغير ذلك من الأمور التي يصبح السكن بها حسنا.

- قيل: إن هذا الإسكان الحسن هو مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

ولا ينكر أن المدينة كانت سكنا طيبا للنبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة رضوان الله عليهم، ولكن الآية مكية، أي كانت قبل الهجرة، وتتحدث عن مهاجرين خرجوا من مكة مهاجرين بدينهم قبل هجرة المدينة، وهم مهاجرو الحبشة؛ فقد كان لهم في الحبشة مسكن آمن طيب.

ولا بد من التنبيه على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، أي أن الإسكان الحسن جزاء كل المهاجرين بدينهم، على مر العصور، سواء في الحبشة أو المدينة أو غيرهما من أرض الله.

- قدم الجار والمجرور (في الدنيا) في قوله تعالى (لنبوئنهم في الدنيا حسنة) لإبراز أن جزاء هؤلاء المهاجرين المستضعفين، ليس في الآخرة فقط، بل لهم جزاء الخير في هذه الدنيا، والتي يظن الناظر إليهم أنهم فقدوا حظهم في الدنيا؛ لفقدهم أسباب السعادة، من مفارقة الأوطان والأهل والخلان، والتجارة والأملاك.

- (ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون) جاء الأجر مؤكدا بلام التأكيد (لأجر)، ووصف الأجر بالأكبر؛ ليدل على أن أجر المؤمنين في الدنيا كبير، ولو وصف أجر الآخرة في هذا السياق بالكبير، لدل على أن أجر المؤمنين في الدنيا قليل.

- (لو كانوا يعلمون) قيل: المقصود هم المؤمنون، أي لو كان المؤمنون يعلمون أجرهم علم مشاهدة وعيان، لازدادوا في الخير، أو لما حزنوا على ترك أوطانهم أو نحو ذلك.

وقيل: المقصود هم الكفار، أي لو كان يعلم الكفار أجر المؤمنين في الدنيا والآخرة لاتبعوا الحق.

والظاهر أن المقصود بـ (يعلمون) هو العلم النظري لا البصري، وظاهر السياق لا يناسبه إعادة الضمير إلى المؤمنين، ولا يناسبه تقدير العلم بعلم المشاهدة، لماذا؟ لأن المعنى على تقدير أن الضمير في (يعلمون) يعود على المؤمنين هو:

"إن الله سيجزي الطائعين المهاجرين الذين تركوا أهلهم وديارهم وأموالهم، سيجزيهم في الدنيا جزاء عظيما وفي الآخرة جزاء أعظم؛ لأنهم هاجروا في الله من بعدما أصابهم الظلم، ولم ينقادوا لهذا الظلم ويتبعوا الكفر، ولو علم المهاجرون أجرهم علم مشاهدة لازدادوا في الخير أكثر مما فعلوا، أو لما حزنوا على ما أصابهم".

وكما ترى معي فإن المقام مقام مدح للمؤمنين المهاجرين، ولا يناسبه ذكر الإشارة إلى أنهم قصروا في الطاعة، أو حزنوا على أوطانهم، لأن هذا لا يناسب مقام المدح.

بل (لو كانوا يعلمون) جملة معترضة تجيب عن سبب عداء الكفار للإيمان رغم الأجر العظيم عليه، فيصبح معنى هذه الآية والتي بعدها في ضوء هذه الجملة المعترضة:

(والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون) فيصير المعنى: إن الله سيجزي المهاجرين الأجر الكبير في الدنيا والأجر الأكبر في الآخرة وهؤلاء هم الصابرون المتوكلون على الله ولو كان يعلم الكفار أجر المؤمنين في الدنيا والآخرة لاتبعوا الحق.

<<  <   >  >>