فصول الكتاب

<<  <   >  >>

عام من بعده ابنه عمرو مضطبعاً بعبء الرياسة، مستحقاً لمّا قلد، حافظاً لمّا أؤتمن عليه، كأنه قد شاهد أباه فكان ما وصاه حاضراً بين يديه. ثم أسند الأمر إلى ابنه الملطاط وقال: يا بني، إنَّ الملك ثمرة حلو جناها، وحسن رواها. كل فاغر لها بقيه، وليست لا بالحرسة والحفظة. فلا تزهدن في اصطناع الرجال، وادخار الثقات. ولا يغرنك أنَّ تقول إذا اعتمدت المال كانت الرجال أقرب، فرب ملك اطرح أهل الثقة والنجدة فطمع في جزائه، وأخذ بكظمه على حين لم يسعفه من الرجال إلاّ الطريف الذي لا اصطناع له بحمل، فكان كمن أراد أنَّ يحصد يوم بذر، وإنّما منافع المال بالمقدمات من أنفاقه، ولولا إنَّ الرجل يصبر على جواده من يوم أفتلائه إلى أوان قروحه؛ ما انتفع به ساعة حاجته، ولربما رأيت الرجال تأتي بالمال وتكتسب التلاد في المدة اليسيرة ولا يكسبك مالك الرجل النادر إلاّ بعد المدة الطويلة، وإذا لجأت إلى حصن فتفقد داخله معك، فأن الحصن بثقاته، والمنزل بجاره، وأدل العيون على أعداتك تباطل ما يمكرون، وتأتيهم من حيث لا يشعرون وأنشأ يقول:

أوصيك يا ملطاط فاحفظ وصيتي ... كحفظي لمّا وصى به سلف الخالي

بأن لا تصون المال من رجل رضي ... فإنَّ رجال الناس تأتيك بالمال

<<  <   >  >>
تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير