تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[((إعلام اللبيب بحكم خليط التمر والزبيب))]

ـ[أبو محمد الألفى]ــــــــ[27 - 10 - 04, 05:17 م]ـ

الحمد لله الهادى من استهداه طلباً لمرضاته. الواقى من اتقاه رَغَبَاً فى جناته. والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على خير رسله ودعاته. وبعد.

لم يزل حملةُ الآثار ونقَّالُ أخبارِها، وفقهاءُ الأقطار وعلماءُ أمصارِها، متوافرون على القول بالنهى عن نبيذ الخليطين، حتى صار تحريمُه هو القول المأثور، والرأى الشائع المنصور، لا يكاد يُعرف فى الناس إلا إيَّاه، إذ لا حجَّة ولا برهان لرأىٍ سواه.

وانقضى قرنُ الصحابة وشطرٌ من قرن الأتباع، وليس بهم ميلٌ لهوىٍ ولا رغبةٌ فى ابتداع، حتى انتحل طائفةٌ من فقهاء الكوفة فى الأنبذة مذهباً مرذولا، لا أثارةَ عليه من علمٍ معقولاً كان أو منقولا، إذ لم يحرِّموا إلا شراباً لا تحريم عندهم لسواه، وهو عصير العنب إذا أسكر ما لم يطبخ حتى يذهب ثلثاه، وما عداه من نبيذ أو نقيع أو عصير، فلا تحريم له فى رأيهم فى قليل ولا كثير، وكأن لم ينبئوا بما فى أمهات دواوين الإسلام، أنَّ ما أسكر كثيره فقليله حرام، وأن كل مسكرٍ خمر وكل خمرٍ حرام.

ومن عجبٍ ساد هذا المذهب وشاع، وكثُر مقلدوه لموافقته الطباع، فالناس أسارى شهواتهم، مائلون إلى من وافق رغباتهم، سيما الرغبة فى لذائذ المطعوم والمشروب، فلا بأس باجتناب خمور الأعناب إذ هى ليست بأعز مطلوب، وليُشرب بعدها كلُّ نبيذٍ ويباح، حتى إذا قارب شاربُه السُّكر أمسك واستراح، إذ ليس عليه ذنبٌ ولا جريرة، ما لم يحصل الإسكار بنقطةٍ أخيرة *، وفيما قاله أئمة الكوفة غنية عن الاعتذار، إذ التعويل على فتياهم كافٍ للنجاة من النار، فقد رخصوا لنا، فليحملوا عنا أوزارنا!!.

ولما لم يكن فى التقدير والحسبان، اجتماع الأمة على العصيان والبهتان، لاستحالة ذلك فيما قضاه الله وقدَّره، وأخبر به الصادق المصدوق وقرَّره، أنَّ أمَّته لا تجتمع على الضلال، فإنَّ ذلك عين الباطل والمحال، فقد أحيا أئمة المذاهب المتبوعة، ورواة الأخبار المسموعة، أحيا الله قلوبهم، ونضَّر يوم القيامة وجوههم، أحيُّوا ما أمات غيرُهم من آثارٍ واردةٍ فى الشراب: نبيذِه وعصيرِه، وخرَّجوا الأخبار القاضية بتحريم المسكر: قليلِه وكثيرِه، وحرَّموا على الناس نبيذ الخليطين، واجتمع على ذلك إماما الحرمين **، طيَّب الله ثراهما، وجعل جنان الخلد مأواهما، وتابعهما على قول من يُعتمد قوله ويُقبل، ثالث الأئمة أحمد بن حنبل، رضى الله عنه ورضَّاه، وجعل جنة النعيم داره ومثواه، ثم جاء العلامة المناظر الحجَّاج، المنعوت قلمه بسيف الحجَّاج، الذى لولا بدعته فى نفى القياس، لكان الإمام المقدَّم عند كل الناس، أعنى ابن حزم فقيه أهل الظاهر، فقطع حجَّة كل مخالفٍ مجاهر، وأردى أقوال المخالفين صرعى، وحشد فى ((محلاه)) الدلائل فأوعى. فهؤلا الأئمة لا تضل بإتباعهم، ولله درُّ داعٍ إلى نصر أقوالهم:

قدْ أحدثَ الناسُ أموراً فلا ... تعملْ بها إنى امرؤٌ ناصحُ

فما جماع الخير إلا الذى ... كانَ عليه السلفُ الصالحُ

فلا يهولنك كثرة القائلين بالجواز مع الكراهة، فإنَّ إتباعَ الرخص ضربٌ من البلاهة، وليس من الديانة تقليد ما وافق الهوى، فقد ضلَّ من اتخذ إلهه هواه وغوى.

فإن أبيت إلا الشقاق والخلاف، ولم تقنع لنفسك بسلوك سبيل الأسلاف، وخضت مع الخائضين فى بحر التقليد، وزعمت أنك تأوى إلى ركن شديد، فلا أحسبك إلا كمن أتته الآياتُ فانسلخ منها، أو عرضت عليه أطايب المأكل والمشرب فأعرض عنها.

[مقصد] أحاديث النهى عن الخليطين صحاح متواترة، وقد تلقاها الأئمة بالقبول، وأودعوها صحاحهم ومسانيدهم، وإن اختلفوا فى بعض معانيها. وممن رواها من الصحابة: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وأَبُو قَتَادَةَ الأَنْصَارِيُّ، وأَبُو هُرَيرَةَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وأَبُو أُسَيْدٍ السَّاعِدِيُّ، وأَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ، وعائشة الصديقة، وأم سلمة، وامرأة كعب بن مالك، وأم مغيث جدة ربيعة بن أبى عبد الرحمن، ورجل من الأنصار، وعطاء بن يسار مرسلاً، خمسة عشر نفساً.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير