وإذا كان كذلك فالحديث خارج عن محل النزاع، لأن المسألة التي نبحثها هي حكمهم في الآخرة لا في الدنيا، وهذا التخليط بين الحكمين هو الذي سبب الاشتباه لكثير من الناس كما قال ابن تيمية في درء التعارض (8/ 432): ومنشأ الاشتباه في هذه المسألة اشتباه أحكام الكفر في الدنيا بأحكام الكفر في الآخرة، فإن أولاد الكفار لما كانوا يجري عليهم أحكام الكفر في أمور الدنيا، مثل ثبوت الولاية عليهم لآبائهم، وحضانة آبائهم لهم، وتمكين آبائهم من تعليمهم وتأديبهم، والموارثة بينهم وبين آبائهم، واسترقاقهم إذا كان آباؤهم محاربين وغير ذلك صار يظن من يظن أنهم كفار في نفس الأمر، كالذي تكلم بالكفر وعمل به اهـ المراد منه.
وخلاصة ذلك: أن حديث الصعب بن جثامة وما في معناه خارج عن محل النزاع والله أعلم.
ما يحتمل التأويل أو يمكن تأويله لمعارضته نصوصا أخرى عامة وخاصة.
بقي النظر في الأحاديث الثلاثة الأخرى، وخلاصتها قصة المرأة التي وأدت بنتها في الجاهلية، وهذه تحتمل أوجها بيانها في الوجه التالي:
الوجه الثاني: المعارضة بمثلها والجمع بينها
وهو أنه قد جاءت أحاديث صحيحة من أوجه متعددة أنهم في الجنة، والأخذ بظاهر حديثي ابن مسعود وسلمة بن يزيد الجعفي يؤدي إلى ضرب تلك الأحاديث الكثيرة عرض الحائط، وهو غير صحيح، فكان لا بد من النظر في الجمع بينها ولو بنوع تكلف، أو الترجيح ما لم يمكن الجمع (تقدمت الأحاديث المعارضة لهذه في الحلقة الأولى فلتراجع فيه).
والجمع بين هذه الأحاديث المتعارضة يكون من وجوه:
أولها: حمل حديث سلمة بن يزيد وابن مسعود " الوائد والموءودة في النار " على قصة خاصة وواقعة معينة، وحمل الأحاديث الأخرى المصرحة بأن الموءودة في الجنة على العموم، وهو أسهل وإن كان فيه نوع تكلف لكنه يرتكب أخف الأمرين.
قال ابن الوزير في العواصم والقواصم (7/ 249) بعد نقله تصحيح السبكي لحديث سلمة بن يزيد الجعفي: لكنه غير عام، وإنما هو نص في موءودة بعينها، فاحتمل التأويل، وذلك أن سياق الحديث أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أخت لهم موءودة في الجاهلية لم تبلغ الحنث، فقال " إنها في النار " اهـ.
قال ابن القيم في أحكام أهل الذمة (2/ 95): الجواب الصحيح عن هذا الحديث: أن قوله إن الوائدة والموءودة في النار جواب عن تينك الوائدة والموءودة، اللتين سئل عنهما، لا إخبار عن كل وائدة وموءودة، فبعض هذا الجنس في النار، وقد يكون هذا الشخص من الجنس الذي في النار (1)
وأجيب عنه: بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والحجة في قول النبي صلى الله عليه وسلم والعموم الذي جاء فيه، لا في قول السائل.
و يمكن أن يجاب عنه: بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ما لم تكن هناك قرينة تقتضي حمله على الخصوص، فإذا وجدت قرينة تقتضي حمله على الخصوص فلا ينكر ذلك، ويتقوى في هذه الحالة بما قيل في القواعد الفقهية من أن السؤال معاد في الجواب، وله نظائر كثيرة منها حمل حديث " ليس من البر الصيام في السفر " (2) على من يضره الصيام كحال ذلك الرجل الذي ورد فيه الحديث، وهو تخصيص للفظ العام بسببه أو من وجد فيه سببه لمعارضة العموم الوارد فيه لكثير من الأحاديث التي دلت على جواز الصيام في السفر كما بسط في موضعه.
ثانيها: أن هذه الموءودة كانت قد بلغت الحنث، ولا عبرة بقول الراوي إنها لم تبلغ، والنبي صلى الله عليه وسلم أجاب على ما هو الواقع، ولم يلتفت إلى قول السائل إنها لم تبلغ، ثم ذكر هذه اللفظة ليس موضع اتفاق بين رواة الحديث، بل لم ترد في رواية ابن مسعود رضي الله عنه للحديث.
قال ابن حزم في الفصل (2/ 382): هذه اللفظة وهي قوله " لم تبلغ الحنث " ليست من كلام رسول الله بلا شك، ولكنها من كلام سلمة بن يزيد الجعفي وأخيه اللذين سألا رسول الله، فلما أخبر أن الموءودة في النار كان ذلك إنكارا وإبطالا لقولهما " لم تبلغ الحنث "، وتصحيحا لأنها كانت قد بلغت الحنث بوحي من الله إليه بخلاف ظنهما، لا يجوز إلا هذا القول، لأن كلامه لا يتناقض ولا يتكاذب، ولا يخالف كلام ربه، بل كلامه يصدق بعضه بعضا، ويوافق ما أخبر به عن ربه عز وجل، ومعاذ الله من غير ذلك، وقد صح إخبار النبي بأن أطفال المشركين في الجنة، وقال تعالى ((
¥