تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

عند القبر مما يدل على أن في قلبها شيئاً عظيماً لم تتحمله حتى ذهبت إلى ابنها وجعلت تبكي عند قبره، ولهذا أمرها صلى الله عليه وسلم أن تصبر، لأنه علم أنها لم تخرج للزيارة، بل خرجت لما في قلبها من عدم تحمل هذه الصدمة الكبيرة، فالحديث ليس صريحاً بأنها خرجت للزيارة، وإذا لم يكن صريحاً، فلا يمكن أن يعارض الشيء الصريح بشيء غير صريح. وأما حديث عائشة، فإنها قالت للرسول صلى الله عليه وسلم: ماذا أقول؟ فقال: "قولي: السلام عليكم"، فهل المراد أنها تقول ذلك إذا مرت، أو إذا خرجت زائرة؟ فهو محتمل، فليس فيه تصريح بأنها إذا خرجت زائرة، إذا من الممكن أن يراد به إذا مرت بها من غير خروج للزيارة، وإذا كان ليس صريحاً، فلا يعارض الصريح. وأما فعلها مع أخيها رضي الله عنهما، فإن فعلها مع أخيها لم يستدل عليها عبدالله بن أبي مليكة بلعن زائرات القبور، وإنما استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور مطلقاً، لأنه لو استدل عليها بالنهي عن زيارة النساء للقبور أو بلعن زائرات القبور، لكنا ننظر بماذا ستجيبه. فهو استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور، ومعلوم أن النهي عن زيارة القبور كان عاماً، ولهذا أجابته بالنسخ العام، وقالت: إنه قد أمر بذلك، ونحن وإن كنا نقول: إن عائشة رضي الله عنها استدلت بلفظ العموم، فهي كغيرها من العلماء لا يعارض بقولها قول الرسول صلى الله عليه وسلم، على أنه روي عنها، أنها قالت: "لو شهدتك ما زرتك"، وهذا دليل على أنها رضي الله عنها خرجت لتدعو له، لأنها لم تشهد جنازته، لكن هذه الرواية طعن فيها بعض العلماء، وقال: إنها لا تصح عن عائشة رضي الله عنها، لكننا نبقى على الرواية الأولى الصحيحة، إذا ليس فيها دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم نسخه، وإذا فهمت هي، فلا يعارض بقولها قول الرسول صلى الله عليه وسلم. * إشكال وجوابه: في قوله: "زوارات القبور" ألا يمكن أن يحمل النهي عن تكرار الزيارة لأن "زوارات" صيغة مبالغة. الجواب: هذا ممكن، لكننا إذا حملناه على ذلك، فإننا أضعنا دلالة المطلق "زائرات". والتضعيف قد يحمل على كثرة الفاعلين لأن على كثرة الفعل، فـ "زوارات" يعني: النساء إذا كن مئة كان فعلهن كثيراً، والتضعيف باعتبار الفاعل موجود في اللغة العربية، قال تعالى: (جنات عدن مفتحة لهم الأبواب) [ص: 50]، فلما كانت الأبواب كثيرة كان فيها التضعيف، إذا الباب لا يفتح إلا مرة واحدة، وأيضاً قراءة (حتى إذا جاؤوها وفتحت) [الزمر: 73]، فهي مثلها. فالراجح تحريم زيارة النساء للمقابر، وأنها من كبائر الذنوب. وأنظر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (343/ 24). * * * فيه مسائل: الأولى: تفسير الأوثان. الثانية: تفسير العبادة. الأولى: تفسير الأوثان، وهي: كل ما عبد من دون الله، سواء كان صنماً أو قبراً أو غيره. الثانية: تفسير العبادة، وهي: التذلل والخضوع للمعبود خوفاً ورجاء ومحبة وتعظيماً، لقوله: "لا تجعل قبري وثناً يعبد". * * * الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه. الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد. الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله. السادسة: وهي من أهمها: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان. السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح. الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم لم يستعذ إلا مما يخاف من وقوعه، وذلك في قوله: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد". الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وذلك في قوله: "اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله، تؤخذ من قوله: "اشتد غضب الله". وفيه: إثبات الغضب من الله حقيقة، لكنه كغيره من صفات الأفعال التي نعرف معناها ولا نعرف كيفيتها. وفيه أنه يتفاوت كما ثبت في الحديث الصحيح حديث الشفاعة: "إن ربي غضب اليوم غضباً لم يغضب مثله قبله ولا بعده" (1). السادسةـ وهي من أهمها -: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان: وذلك في قوله: "فمات، فعكفوا على قبره". السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح، تؤخذ من قوله: "كان يلت لهم السويق"، أي: للحجاج، لأنه معظم عندهم، والغالب لا يكون معظماً إلا صاحب دين. * * * الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية. التاسعة: لعنه زوارات القبور. العاشرة: لعنة من أسرجها. الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية، وهو أنه كان يلت السويق. التاسعة: لعنة زوارات القبور، أي: النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر رحمه الله لفظ: "زوارات القبور" مراعاة للفظ الآخر. العاشرة: لعنة من أسرجها، وذلك في قوله: "والمتخذين عليها المساجد والسرج". وهنا مسألة مهمة لم تذكر، وهي: أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً كما في قبر اللات، وهذه من أهم الوسائل، ولم يذكرها المؤلف رحمه الله، ولعله اكتفى بالترجمة عن هذه المسألة بما حصل للات، فإذا قيل بذلك، فله وجه. مسألة: المرأة إذا ذهبت للروضة في المسجد النبوي لتصلي فيها، فالقبر قريب منها، فتقف وتسلم، ولا مانع فيه. والأحسن البعد عن الزحام ومخالطة الرجال، ولئلا يظن من يشاهدها أن المرأة يجوز لها قصد الزيارة، فيقع الإنسان في محذور، وتسليم المرء على النبي صلى الله عليه وسلم يبلغه حيث كان.


(1) البخاري: كتاب الجنائز/ باب اتباع النساء للجنائز، ومسلم: كتاب الجنائز/ باب نهي النساء عن اتباع الجنائز. (1) البخاري: كتاب الجنائز/ باب زيارة القبور، ومسلم: كتاب الجنائز/ باب في الصبر على المعصية عند الصدمة الأولى. (2) مسلم: كتاب الجنائز/ باب ما يقال عند دخول القبر ... . (3) مسند الإمام أحمد (1/ 145)، ومسلم بلفظ: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي ... " (4) الترمذي: كتاب الجنائز/ باب زيارة النساء للقبور، وذكره الهيثمي في "المجمع"، وقال: رواه الطبراني في "الكبير" ورجاله رجال الصحيح، والبغوي في "شرح السنة". (1) تقدم (ص 424). (1) تقدم (ص 324).

==============================
¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير