تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

الثالث: الرد مطلقاً، وقد حكى النووي الاتفاق على أن المكفرين ببدعهم لا يحتج بهم ولا تقبل روايتهم () وما سبق ينقض قوله.

وقد حقق الحافظ رحمه الله هذه المسألة وأتى فيها بقول فصل موافق لما عليه أئمة الحديث ونقاده فقال – رحمه الله -: " والتحقيق أنه لا يرد كل مكفر ببدعته، لأن كل طائفة تدعي أن مخالفيها مبتدعة، وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أخذ على الإطلاق لاستلزم تكفير جميع الطوائف. فالمعتمد: أن الذي ترد روايته: من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة، وكذا من اعتقد

() انظر الكفاية ص148.

() انظر كتابه: المعتمد في أصول الفقه – تحقيق د. محمد حميد الله – المطبعة الكاثوليكية بيروت 1385هـ، ج2 ص617 –619.

() انظر كتابه: المحصول في علم أصول الفقه، تحقيق طه جابر فياض العلواني، ق1 ج2 ص567 – 571.

() انظر كتابه: منهاج الوصول في علم الأصول بشرح البدخشي والأسنوي – مطبعة محمد علي صبيح – القاهرة، ج2 ص241.

() التقريب مع شرحه التدريب للسيوطي – تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف، ج1 ص324.

عكسه، فأما من لم يكن بهذه الصفة وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه مع ورعه وتقواه، فلا مانع من قبوله " ().

وأما بالنسبة للمبتدعة الذين لم يكفروا ببدعتهم. فللعلماء في رواياتهم خمسة مذاهب:

الأول: الرد مطلقاً: وممن ذهب إليه مالك بن أنس، وابن غُيينة، والحميدي، ويونس بن أبي إسحاق، وعلي بن حرب، وقد وجه الحافظ ابن رجب هذا المذهب بقوله: " والمانعون من الرواية، لهم مأخذان: أحدهما تكفير أهل الأهواء وتفسيقهم، وفيه خلاف مشهور. والثاني: الإهانة لهم، والهجران، والعقوبة بترك الرواية عنهم، وإن لم نحكم بكفرهم أو فسقهم. ولهذا مأخذ ثالث: وهو أن الهوى والبدعة لا يؤمن معه الكذب ولا سيما إذا كانت الرواية مما تعضد هوى الراوي " (). (ص 103)

الثاني: يحتج بهم إن لم يكونوا يستحلون الكذب في نصرة مذهبهم، سواء أكانوا دعاة أم لا، وممن قال به الشافعي وابن أبي ليلى وسفيان الثوري وروي عن أبي يوسف وأبي حنيفة، وحكاه الحاكم في المدخل عن أكثر أئمة الحديث ().

الثالث: تقبل رواية المبتدع إذا كان مرويه مما يشتمل على ما ترد به بدعته، وذلك لبعده حينئذ عن تهمة الكذب ().

الرابع: تقبل روايته إذا كانت بدعته صغرى، وإذا كانت كبرى فلا تقبل () فالبدعة الصغرى كالتشيع بلا غلو ولا تحرق، والكبرى كالتشيع مع الغلو والطعن وسب الصحابة.

() نزهة النظر ص53.

() ابن رجب الحنبلي: شرح علل الترمذي – حققه وعلق عليه صبحي السامرائي – عالم الكتب – ط الثانية 1405هـ – 1985م، ص65.

() الكفاية ص148 – 149.

() فتح المغيث: ج1 ص361.

() انظر تفصيل ذلك في ميزان الاعتدال ج1 ص605، وتهذيب التهذيب ج1 ص94 في ترجمة أبان بن تغلب الشيعي.

الخامس: تقبل أخبار غير الدعاة إلى بدعهم، وترد أخبار الدعاة منهم، وقد صرح الخطيب وغيره بأنه مذهب الكثير من العلماء ().

بعد أن سردت أقوال الأئمة ومذاهبهم في الرواية عن أهل البدع والأهواء، فقد تبين أن مذاهبهم متباينة جداً. امتزجت فيها أقوال المحدثين بآراء علماء الكلام والأصول. فلا بد من استجلاء الموقف العملي للمحدثين من خلال مصنفاتهم، ومن هؤلاء الإمام البخاري – رحمه الله – فكيف تعامل مع روايات أهل البدع في صحيحه؟

إذا تأملنا رجال البخاري – رحمه الله – نجد جملة كبيرة منهم قد رموا ببدع اعتقاية مختلفة وقد أورد الحافظ في " هدي الساري " () من رمي من رجال البخاري بطعن في الاعتقاد فبلغوا (69) راوياً، ومن خلال التتبع لهؤلاء الرواة يمكن أن نستخلص المعايير التي اعتمدها البخاري في الرواية (ص 104) عن أهل البدع ويمكن أن نجملها في النقاط التالية:

- ليس فيهم من بدعتهم مكفرة.

- أكثرهم لم يكن داعية إلى بدعته، أو كان داعية ثم تاب ().

- أكثر ما يروي لهم في المتابعات والشواهد.

- أحياناً يروى لهم في الأصول لكن بمتابعة غيرهم لهم.

- كثير منهم لم يصح ما رموا به.

إذن فالعبرة إنما هي صدق اللهجة، وإتقان الحفظ، وخاصة إذا انفرد المبتدع بشيء ليس عند غيره.

وما ذهب إليه البخاري هو مذهب كثير من المحدثين، ومن هؤلاء تلميذه وخريجه الإمام مسلم، فقد روى في صحيحه عن أهل البدع والأهواء المعروفين بالصدق والإتقان، وخاصة إذا انضم إلى ذلك

() الكفاية ص149، وفتح المغيث: ج1 ص360، وعلوم الحديث ص103.

() هدي الساري ص483 – 484.

() انظر ترجمة: عمران بن حطان في هدي الساري ص404، وترجمة شبابه بن سوار في الهدي ص469، وترجمة: عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني في الهدي ص437.

الورع والتقوى، وما ذهب إليه الشيخان هو رأي أكثر الأئمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وإنما توقف من توقف منهم في الرواية عن أهل البدع إما لأنه لم يتبين لهم صدقهم، أو أرادوا محاصرة البدعة وإخمادها حتى لا تفشوا، ولكن شاء الله تعالى أن تكثر البدع وتفشو، وتبناها كثير من العلماء والفقهاء والعباد فلم يكن من المصلحة ترك رواياتهم، لأن في تركها، اندراساً للعلم، تضييعاً للسنن. فكانت المصلحة الشرعية تقتضي قبولها ما داموا ملتزمين بالصدق والأمانة. قال الخطيب البغدادي – بعد أن ذكر أسماء كثير من الرواة احتج بهم وهم منسوبون إلى بدع اعتقادية مختلفة: ". دون أهل العلم قديماً وحديثاً رواياتهم واحتجوا بأخبارهم، فصار ذلك كالإجماع منهم، وهو أكبر الحجج في هذا الباب وبه يقوى الظن في مقارنة الصواب " (). (ص 105)

وقال علي بن المديني: " لو تركت أهل البصرة لحال القدر، ولو تركت أهل الكوفة لذلك الرأي خربت الكتب " ().

() الكفاية ص153 – 154.

() المصدر نفسه ص157.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير