تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وقد يظهر بالمعارضة أن شيخه ضعيف في شيخ واحد من شيوخه ورواياته عن بقية شيوخه مستقيمة، ولذلك أسباب منها أن يكون ذلك الشيخ الذي ضعف فيه بعيدةً بلادُه، فمكابدة الأسفار أضعفت عنده ملكة الحفظ عند التحمل، أو أن كتب ذلك الشيخ ضاعت دون بقية كتب رواياته عن الآخرين.

وعندئذ يوثق الراوي مع استثناء ذلك الشيخ الذي لم يضبط رواياته، فإذا استقامت روايته عن كل شيوخه دل ذلك على إتقانه وضبطه فيوثق مطلقا.

وقد يظهر للناقد بالتتبع والمعارضة والسبر أن مرويات شيخه تكون منضبطة حين يروي شيخه من الكتاب، أو حين يروي في بلد إقامته، فإذا روي من حفظه أو روى حال سفره خلط وأتى بالغرائب، فيقيد توثيقه حينئذ بغير حالة التحديث من الحفظ وحال السفر.

وقد تختلف أنظار النقاد في مثل هذه المواطن من المعارضة على حسب سعة اطلاع كل واحد منهم وعلى قدر مدارسته للمرويات.

وللنقاد في هذا الباب مسالك دقيقة جدا، وأحوال خاصة في بعض الأحيان يجب ألا تأخذ حكم العموم، وقد يستقرئ بعض النقاد استقراء ناقصا بحسب ما وصله من المرويات ويطلع غيره على غير ما اطلع عليه الأول، والواجب التروي عندما تتعارض أحكام النقاد، وهذا التعارض قليل في الغالب، فقد قال الذهبي: " لم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف ولا على تضعيف ثقة ". وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال.

وتفاصيل هذا البال طويلة الذيول يعرفها الممارس لكتب الجرح والتعديل، فإنها المجال التطبيقي الذي تظهر فيه اجتهادات المعارضة من النقاد.

وصفوة القول أن المعارضة للروايات والطرق والموازنة بينها هو المسلك الأساس في تقويم الرواة ومعرفة حالهم، وقد يتفرع عن هذا المسلك بعض الأساليب الأخرى مثل الموازنة مع الكتب والمدونات واختبار الأحبار والورق ورؤية السماع في النسخ وفحص الخط،وكله داخل تحت باب المعارضة.

النوع الثاني: المعارضة لمعرفة أحوال راو لم يلتق به الناقد

المعارضة في هذا البال تكون أصعب من النوع الأول، ولا يضطلع بهذا النوع إلا أهل الحفظ والاطلاع الواسع والتبحر في الأسانيد والمتون.

ونضرب له مثالا بحادثة يحيى بن معين التي ذكرناها قبل، وحاصلها أن يحيى سمع كتب حماد بن سلمة من سبعة عشر تلميذا من تلاميذ حماد فسأله: ماذا تصنع بهذا؟ فقال: " إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطأه من خطأ غيره فإذا رأيت أصحابه قد اجتمعوا على شيء علمت أن الخطأ من حماد نفسه، وإذا اجتمعوا على شيء عنه، وقال واحد منهم بخلافهم علمت أن الخطأ منه لا من حماد فأميز بين ما أخطأ هو بنفسه وبين ما أخطيء عليه ".

ويعتبر هذا التنظير أقدم وثيقة تبين منهج النقد عند المحدثين، ولنحاول مدارسة هذا النص لأنه يتضمن الكثير من الإشارات إلى طريقة المحدثين في سبر أحوال الرواة.

إذا تأملنا كلام ابن معين رحمه الله يمكننا أن نستنتج ما يلي:

أولا: أن يحيى بن معين قد حكم على حماد بن سلمة أن يخطئ ومعنى هذا الحكم التوثيق وليس التضعيف، لأن رغبة يحيى بن معين في إحصاء أخطاء حماد بن سلمة دليل على أنها معدودة وقليلة لكنها لم تتميز، فأراد ابن معين أن يميز خطأ حماد ليعرف أن ماعدا ذلك من حديثه فمستقيم، وهذا أعدل الأقوال في حماد بن سلمة، وأخطأ من ضعفه مطلقا.

ثانيا: مقتضى حكم يحيى بن معين على حماد بن سلمة أنه يخطئ أنه سبر مرويات حماد بن سلمة ووازن بينها وبين مرويات أقرانه ممن اشتركوا معه في الرواية، فلما فرغ من ذلك، وعلم أن حماد دخل في حديثه الخطأ لأنه خالف المتقنين من أقرانه أراد أن يتحقق من هذه المخالفات والأخطاء ويميز بينها بالتدقيق في روايات مشاهير تلاميذه، لأن الخطأ قد ينسب إلى التلميذ دون الشيخ، فتفتق ذهنه عن هذه الطريقة في المعارضة لتتميز أخطاء حماد بن سلمة عن أخطاء تلاميذه.

ثالثا: قوله: " فإذا رأيت أصحابه " يدل على أن يحيى بن معين كان ينتقي أصحاب حماد بن سلمة، أي تلاميذه الذي عرفوا بطول الصحبة له، وذلك تلافيا من أن يروي عن تلميذ مغمور من تلاميذ حماد فيحوجه لدراسة حاله أولا فيطول امر، لأن طول الصحبة دليل على كثرة الممارسة، ولا يتهم التلميذ في شيخه غالبا إذا كان ملازما له.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير