تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

و لعل ابتداء الله عز و جل بالتذكير بأنه خلق المخاطبين قبل خلق الأمم السابقة ابتداء بالحاضر قبل الغائب فهم ينظرون أنفسهم التي بين جنبيهم فاعتبارهم بها أقوى ثم أردفها الله تعالى بخلق الأمم السابقة ثم السماوات و الأرض.

(لعلكم تتقون):

اختلفوا في لعل هنا , فأصلها كما قال أئمة اللغة هي الترجي و الطمع و التوقع و الإشفاق و هذا مستحيل على الله تعالى فاختلفت عبارات المفسرين على قولين مشهورين:

منها أنه لما كانت المخاطبة للبشر كان بمنزلة قوله لهم: افعلوا ذلك على الرجاء منكم و الطمع و بهذا قال سيبوية.

و ما رجحه ابن القيم و ابن عثيمين رحمهما الله أن لعل في القران في حق الله لا تأتي للترجي و إنما هي للسببية فيكون المعنى (افعلوا ذلك فهو سبب لتقواكم.) و هذا أقوى.

فالتقوى هي المناط الذي يرجى تحقيقه من العبادة.

و للتقوى تعريفات مشهورة منها ما قاله الشاعر ابن المعتز:

خل الذنوب صغيرها و كبيرها ذاك التقى و كن كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى

لا تحقرن صغيرة إن الجبال من الحصى.

.اهـ.

النظرة الثانية

قال تعالى (و إذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي و ليؤمنوا بي لعلهم يرشدون)

كانت هذه الاية الكريمة بعد ذكر ايات الصيام و أحكامه, و لعل هذا يدل دلالة واضحة على تعلق شهر الصيام بالدعاء و الانطراح بين يدي خالق الأرض و السماوات , فإن العبد لما حرم نفسه من ملاذها كأكل و شرب و جماع حقيق به أن يقرع باب ربه بالدعاء بنوعيه مسألة أم عبادة و كلاهما عبادة, لكي ينهل من معين الإيمان الذي من نهل منه فاز بالحسنى ..

كل العبادات التي يقوم بها العبد لا يجوز له إطلاقا أن ينسب الفضل لنفسه فيها, فإنه لو فعل ذلك لحبط عمله و لابتلي بالنكوص على الأعقاب ..

بل عليه أن يعلم علما جازما أن الله عز و جل هو المتفضل بهذه النعمة عليه, و أن تفضل الله عليه بهذه العبادة نعمة تستحق أن تشكر, و من هذه العبادات الصيام , بل هو من أجلها, لأن الله عز و جل قال في الحديث القدسي (كل عمل ابن ادم له إلا الصوم فإنه لي و أنا أجزي به) و اختلف المؤولون في تأويل هذا الحديث على أقوال لعل أنقاها ما ذكره الشيخ الشعراوي رحمه الله من أن الصيام عبادة لم يعبد بها أحد غير الله تعالى فكان هذا دليلا على أن الصوم له كله ..

و في نهاية الاية التي قبل هذه الاية قال تعالى (و لتكملوا العدة و لتكبروا الله على ما هداكم و لعلكم تشكرون) فالتكبير عبادة باللسان و الشكر عبادة باللسان و القلب و الجوارح, و كلاهما من أقل ما يفعل العبد بعد أداءه للصيام , فالتكبير تعظيم لله الذي من عليك بنعمة الصيام’ و الشكر شكر له على إكمال نعمة الصيام:

أفادتكم النعماء مني ثلاثة يدي و لساني و الضمير المحجبا

و بعدها يأتي دور الدعاء و إعلام الله للناس بقربه منهم و استجابته لدعواتهم , فعليهم بعد أداء ركن الصيام أن يدعو الله دعاء عبادة شكرا له على إتمام الصيام, و دعاء مسألة بأن يتقبل منهم هذا الركن, و أن يبلغهم صياما آخر ..

*كثير من ايات القران تستفتح بقوله تعالى (يسألونك) فمنها (عن الأنفال) (عن المحيض) (عن الأهلة) (عن الشهر الحرام) (عن الخمر و الميسر) (ماذا ينفقون) و غالب هذه الآيات إن لم يكن كلها تعقب بقوله تعالى (قل) فمنها (قل الأنفال) (قل هو أذى) (قل قتال فيه) (قل فيهما إثم كثير) (قل ما أنفقتم من خير) ..

و لكن في هذه الاية أمران:

1: أنه ذكر فعل السؤال بالفعل الماضي و بالجملة الشرطية ..

2: أنه لم يقل بعدها (قل) و لكن قال (فإني قريب) ..

و لعل إيراد الجملة الشرطية و الفعل الماضي دليل على تحقق المشروط عند وجود الشرط مباشرة , فيدل على أن الله يحقق مطلوب الإنسان و يستجيب دعوته عند دعوته مباشرة ...

و أما عدم قوله تعالى (قل) فلعل هذا يدل على أن الدعاء من الأمور التي تربط العبد بربه مباشرة فلم يذكر الله واسطة بينه و بين العبد ..

*و قوله تعالى (عبادي) دليل على أن الله يتلطف مع عباده بناديهم بأحب الأسماء عندهم, فأفضل ما يتمناه العارفون و يشمر له المشمرون ان تطلق عليهم كلمة (عبد) ..

*الله قريب من عباده , و لعل سبب نزول الاية دليل على هذا , فإن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه و سلم (هل ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه) فنزلت هذه الاية ..

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير