تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

" الشأن في المعاني أما الألفاظ فهي ملقاة على قارعة الطريق" يعني أنّ الألفاظ يتداولها الناس؛ لكن الشأن في الدِّلالة بالألفاظ على المعاني، وهذا لاشك أنه قصور لأن القرآن معجز بألفاظه وبمعانيه وبصورته العامة.

القول الرابع: من قال إن القرآن معجز في نظمه، ومعنى النظم هو الألفاظ المتركبة والمعاني التي دلّت عليها الألفاظ وما بينها من الروابط؛ يعني أن الكلام يُحتاج فيه إلى أشياء، يحتاج فيه إلى ألفاظ وإلى معانٍ في داخل هذه الألفاظ يُعبَّر بها؛ يعبر بالألفاظ عن المعاني وإلى رابط يربط بين هذه الألفاظ والمعاني في صور بلاغية، وفي صور نحوية عالية، وهذا المجموع سماه أصحاب هذا القول النَّظم.

وهذا هو مدرسة الجُرجاني المعروفة -العلامة عبد القادر الجرجاني- فيما كتب في دلائل الإعجاز وفي أسرار البلاغة، وهذا القول قال به الجرجاني وهو مسبوق إليه من جهة الخطّابي وغيره،

وهذا القول قول جيد؛ ولكن لا ينبغي أن يُقصر عليه إعجاز القرآن.

القول الخامس: من قال أن إعجاز القرآن فيما اشتمل عليه، فالقرآن اشتمل على أمورٍ غيبية لا يمكن أن يأتي بها النبي عليه الصلاة والسلام؛ بأمر الماضي والمستقبل، واشتمل القرآن أيضا على أمور تشريعية لا يمكن أن تكون من عند النبي عليه الصلاة والسلام، واشتمل القرآن على هداية ومخالطة للنفوس لا يمكن أن تكون من عند بشر، وهذا قول لبعض المتقدمين وجمع من المعاصرين بأنّ القرآن محتمل على هذه الأشياء جميعا.

ولكن هذا القول يُشكل عليه أنّ إعجاز القرآن تُحدِّي به العرب، والعرب حينما خوطبوا به خوطبوا بكلام مشتمل على أشياء كثيرة، وكان التحدي واقعا أن يأتوا بمثل هذا القرآن أو بمثل سورة أو بعشر سور مثله مفتريات ـ كما زعموا ـ، وهذا يؤول إلى ما تميّزت به العرب، وهو مسألة البلاغة وما تميزوا به من رِفعة الكلام وفصاحته وبلاغته، والعرب لم تكن متقدمة عارفة بالأمور الطبية ولا بالأمور الفلسفية ولا بالأمور العقدية ولا بالغيبيات، وليس عندهم معرفة بالتواريخ على تفاصيلها ونحو ذلك، حتى يقال إن الإعجاز وقع في هذه الجهة؛ لكنهم خوطبوا بكلام من جنس ما يتكلمون به -يعني من جهة الألفاظ والحروف-؛ لكنهم عجزوا عن الإتيان بذلك لأنه كلام الله جل وعلا.

القول الأخير –والأقوال متنوعة؛ لأن المدارس كثيرة-: أن القرآن معجز لأنه كلام الله جل وعلا، وكلام الله جل وعلا لا يمكن أن يشبه كلام المخلوق، وهذا القول هو الذي ذكره الطحاوي ـ رحمه الله ـ (عَلِمْنَا وَأَيْقَنَّا أَنَّهُ قَوْلُ خَالِقِ الْبَشَرِ، وَلَا يُشْبِهُ قَوْلَ الْبَشَرِ. وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبَشَرِ فَقَدْ كَفَرَ، فَمَنْ أَبْصَرَ هَذَا اعْتَبَرَ، وَعَنْ مِثْلِ قَوْلِ الْكُفَّارِ انْزَجَرَ، [وَ] عَلِمَ أَنَّهُ بِصِفَاتِهِ -التي منها القرآن- لَيْسَ كَالْبَشَرِ.)

وهو من أرفع وأعظم الأقوال؛ بل هو القول الحق في هذه المسألة: أنّ كلام الله جل وعلا لا يمكن أن يشبه كلام البشر.

فهذا القرآن من سمعه أيقن أنّه ليس بكلام البشر.

والعرب عندهم معرفة بالبيان، بل هم الغاية في البيان، هم الغاية في معرفة الفصاحة، هم الغاية في معرفة تركيب الكلام؛ لكنهم لما سمعوا القرآن ما استطاعوا أن يعارضوه لأنّ الكلام لا يشبه الكلام (كلام الله جل وعلا لا يشبه كلام المخلوق).

إذا فوجه الإعجاز في كلام الله جل وعلا هو أن كلام الله سبحانه وتعالى لا يشبه كلام البشر، ولا يماثل كلام البشر، والناس لا يستطيعون على اختلاف طبقاتهم وتنوِّع مشاربهم أن يتلقوا أعظم من هذا الكلام، وإلا فكلام الله جل وعلا في عظمته لو تَحَمّل البشر أعظم من القرآن لكانت الحجة أعظم؛ لكنهم لا يتحملون أكثر من هذا القرآن، لهذا تجد التفاسير من أول الزمان إلى الآن وكل واحد يُخرج من عجائب القرآن ما يُخرج، والقرآن كنوزه لا تنفذ ولا يفتر على كثرة الرد لا من جهة التِّلاوة ولا من جهة التفسير.

إذا تبين لك ذلك فكلام الطحاوي هذا من أنفس ما أنت سامع بل وأصحّ الأقوال في مسألة إعجاز القرآن وهو أن الكلام لا يشبه الكلام.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير