ويقولون: ان هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون، واما مجتهدون مصيبون واما مجتهدون مخطئون – الى أن قال -: ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة وما من الله عليهم به من الفضائل؛ علما يقينا انهم خير الخلق بعد الأنبياء لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم صفوة من قرون هذه الأمة اليي هي خير الأمم وأكرمها على الله).
قال الامام ابن بطة العكبري: (نكف عما شجر بين أصحاب رسول الله صلىالله عليه وسلم فقد شهدوا المشاهد معه سبقوا الناس بالفضل. فقد الله لهم وأمرك بالستغفار لهم، والتقرب اليه بمحبتهم
وفرض ذلك على لسان نبيه، وهو يعلم ما سيكون منهم وأنهم سيقتتلون وانما فضلوا على سائر الخلق
لأن الخطأ والعمد قد وضع عنهم وكل ما شجر بينهم مغفور لهم).
وقال عمر بن عبد العزيز: وسئل عن أمر الحرب التي جرت بينهم فقال: تلك دماء كف الله يدي فيها، فلا أحب أن أغمس لساني فيها وأرجوا أن يكونوا ممن قال الله عز وجل فيهم: (ونزعنا
ما في صدورهم من غل) < الحجر – 47 >.
وفي رواية عنه قال: (دماء لم أغمس فيها يدي أغمس فيها لساني؟). وفي أخرى: (دماء غيّب الله عنها يدي أحضرها بلساني).
قال أبو قاسم الأصفهاني التيمي: (فالصحابة رضي الله عنهم كانوا أخير الناس وهم ائمة لمن بعدهم والامام اذا لاح له الخير في شيء حتى فعله لا يجب أن يسمى ذلك الشيء اساءة، اذ المساوىء ما كان على اختيار في قصد الحق من غير امام فكيف تعد أفعالهم مساوىء وقد أمر الله عز وجل بالاقتداء بهم .. طهر الله قلوبنا من القدح فيهم وألحقنا بهم).
قال القرطبي رحمه الله ذابّا عن الصحابي الجليل عقبة بن عامر رضي الله عنه: (فمن نسبه أو واحدا من الصحابة الى الكذب فهو خارج عن الشريعة مبطل للقرآن طاعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومتى ألحق واحد منهم تكذيبا فقد سب، لأنه لا عار وعيب بعد الكفر بالله أعظم من الكذب، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من سب اصحابه فالمكذب لأصغرهم – ولا صغير فيهم – داخل في لعنة الله التي شهد بها رسول الله صلىالله عليه وسلم وألزمها كل من سب واحدا من أصحابه أو طعن عليه). < الجامع لأحكام القرآن (16/ 285).
قال ابن كثير: (ومعاوية معذور عند جمهور العلماء سلفا وخلفا). وقال أيضا: (وأما ما شجر بينهم بعده عليه الصلاة والسلام فمنه ما وقع عن غير قصد كيوم الجمل، ومنه ما كان عن اجتهاد كيوم صفين. والاجتهاد يخطىء ويصيب، ولكن صاحبه معذور وان أخطأ ومأجور أيضا، وأما المصيب فله أجران اثنان، وكان علي وأصحابه أقرب الى الحق من معاوية وأصحابه رضي الله عنهم
أجمعين) < اختصار علوم الحديث (الناعث الثيث) " 182 " >.
وسئل الامام أحمد عما جرى بينهم فقرأ: (تلك أمة ---- يعملون) " البقرة – 141 ".
ويرى أهل السنة والجماعة أن معاوية رضي الله عنه كان في قتاله مع علي مجتهدا متأولا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران واذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر) " رواه البخاري ومسلم ".
وقد تقرر في شرعنا الحنيف أن ما وقع بين الصحابة الكرام وجب القول فيه بحق وعدل وانصاف،
هدى الله ووفق أهل السنة والجماعة لذلك فقالوا: خيرا في جميع صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فعندهم أن المصيب مأجور والمتأول معذور ومن لم يقل فيهم خيرا مأزور، ومن رماهم بالثلب ابتلاه الله بموت القلب.
قال يزيد بن الأصم: (سئل علي عن قتلى يوم صفين فقال: قتلانا وقتلاهم في الجنة ويصير الأمر الي والى معاوية). " أخرجه ابن ابي شيبة في المصنف (7/ 552)، وذكر نحوه الذهبي في السير (3/ 144).
قال النووي: (وأما الحروب التي جرت فكانت لكل طائفة شبهة اعتقدت تصويب أنفسها بسببها
وكلهم عدول رضي الله عنهم متأولون في حروبهم وغيرها، ولم يخرج شيء من ذلك أحدا منهم عن العدالة لأنهم مجتهدون اختلفوا في مسائل من محل الاجتهاد كما يختلف المجتهدون بعدهم في مسائل من الدماء وغيرها ولا يلزم من ذلك نقص أحد منهم، واعلم أن سبب تلك الحروب أن القضايا كانت مشتبهة فلشدة اشتباهها اختلف اجتهادهم وصاروا ثلاثة أقسام:
¥