تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[تأملات في سورة تكرر فيها اسم الرحمن]

ـ[محمد عامر ياسين]ــــــــ[15 - 11 - 07, 06:19 ص]ـ

تأملات في سورة مريم

* بقلم / ماجد بن أحمد الصغير

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد.

ففي هذه الحلقة سنلقي الضوء على سورة كريمة تكرر فيها اسم الرحمن كثيراً، تكرر أكثر من خمس عشرة مرة، بل إن السورة تدور رحاها على موضوع الرحمة، فقد ركزت على معاني رحمة الله لأصناف من عباده، منهم الأنبياء، ومنهم الصالحون، يحقق الله لهم سؤلهم، ويزيل عنهم همومهم، وينقذهم في مواقف الكرب.

وفي المقابل نجد آخرين أشقياء محرومين بعيدين عن هذه الرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، وعمت كل حي، نجد أقواماً ضيعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً، وآخرون اجترؤا على الله ونسبوا لله الولد – زوراً- لم يقدوا الله حق قدره لهم الويل يوم يقفون بين يديه ...

إنها سورة مريم، التي تضمت كمال الرب وغناه عن الخلق ورحمته بهم وحاجة العبد إلى فضل ربه ورحمته.

فالسورة تتحدث عن الرب الرحمن الرحيم، والعبد الفقير إلى رحمة الله؛ ولهذا كثر فيها ورود اسم الرحمن الذي يدل على الغاية في الرحمة، وغاية ما تكون هذه الرحمة لأكمل الناس عبادة وتذللاً، وهم أنبياؤه الكرام وأتباعهم بإحسان.

وقد ابتدأت السورة بذكر رحمة الله لهذا النبي الكريم، زكريا عليه الصلاة والسلام (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا)، وزكريا واحد من أنبياء الله أظهرت الآيات ندائه ودعائه وفقره لربه، فزكريا صاحب القلب النقي التقي الذي انطوى على أزكى المشاعر الإنسانية استشعر رحمة الله الواسعة، فأظهر فقره وحاجته خاشعاً، فقد كان يرى مريم العابدة في محرابها داعية خاشعة تنزل عليها رحمات الله ونفحاته ويسوق إليها رزقها (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَاب)، فثارث في قلبه مشاعر الأب فتوجه إلى الله يسأله، وهو الذي يرزق الناس قبل أن يسألوه فيعطيهم سؤلهم برحمته فكيف إذا سألوه وطلبوه (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) وهنا تأتي الإجابة والبشارة بغلام سماه الله بنفسه شرفاً وكرامة.

وتبرز الآيات الكريمة ((رحمة الله)) في أثناء هذه السورة في قصة مريم التي تولاها الله بعنايته، ورحمته منذ ولادتها ببركة صلاح أمها، ودعائها لها، فلما أشتد عليها ألم جسدها بالمخاض ووحشة قلبها من الفضيحة - وهي الطاهرة - التي تنتظرها بين قومها حتى لقد تمنت الموت؛ أدركتها رحمة الله وحفت بها ألطافه فجاءت الرحمة تفوق كل تصور جاءت من حيث لا تحتسب ((قالت:يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً)) ففاجأها صوت المنادي من تحتها بأفصح لسان وأوضح بيان: أن الله لن يتخلى عنك وقد اصطفاك على نساء العالمين (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً) فانظري إلى آثار رحمته: (قد جعل ربك تحتك سريا) ماءً بقدرته ورحمته يشق الأرض (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً).وفي لحظات تدب الحياة في جذع يابس وكأن لسان حاله:

أتعجبين من قدرة الله أن خلق منك ولداً ولم يمسسك بشر؟ انظري إلى حالي وثمري فقد كنت جذع نخلة يابسة لا حياة فيها فكلانا في القدرة سواء.

(فكلي واشربي وقري عيناً فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً) فليس عليك الدفاع بل قد هيأ الله لك من يدافع عنك ويظهر براءتك.

وجاءت المواجهة وقد قرت عين أم عيسى، وزالت وحشتها، فأتت به قومها تحمله في وضح النهار غير خائفة ولا وجلة، بعد أن كانت تتمنى الموت وأن تكون نسياً منسياً فما أعظم رحمة الله لها!.

واستقبلت البتول نظرات الريبة والشكوك وسهام التهم بثبات واثقة بأن ربها الرحمن الذي رباها بنعمه ورحمته لن يضيعها أو يخذلها فأنطق الله لها الوليد في المهد:

(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً * وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً * وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً). وفي خاتمة السورة تبرز الآيات شاهداً من شواهد رحمة الله بعباده فقد جعل للمؤمنين في قلوب الناس مودة ورحمة بسبب إيمانهم بالله وعبادتهم له: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً).

ثم ختمت السورة بأعظم رحمة أنزلها الله، إنها رحمة البشرية بكتابه العظيم الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم: (فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدّاً).

فالقرآن رحمة الله العظمى ونعمته الكبرى فقد كان إنزاله رحمة للبشرية (رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ)، (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ). [ينظر: كتاب/ التوحيد والتنزيل في سورة مريم، تأليف: عبد الحميد طهماز،87،46،40،28،20،18،11، بتصرف يسير]

يتبع في الحلقة القادمة بإذن الله ...

* / كلية الشريعة وأصول الدين - جامعة القصيم - الدراسات العليا

10/ 4/1428

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير