تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

والحق الذي لا مرية فيه: أن الحجاز تمثل الإسلام الصافي؛ لأنها مهبط الوحي، ودولة الإسلام الأولى، وإليها يأرز الإيمان في آخر الزمان. فكل رجوع إلى الإسلام الصافي في الحجاز، وكل نصرة لسنة النبي المكي - صلى الله عليه وسلم - هي انتصار لسلطة الحجاز أيضاً.

ولذلك فلمن يرى أن الدعوة السلفية هي التي تمثل الإسلام الصافي، له أن يرى أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هي اضمحلال لسلطة نجد لصالح سلطة الحجاز، خاصة مع ما جاء في كتاب (مصباح الظلام) لحفيد محمد بن عبد الوهاب، وهو عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ (ت1293هـ)، الذي قال عن جده محمد بن عبد الوهاب: " وسمع الحديث عن أشياخ الحرمين في وقته، وأجازه الكثير منهم، ومن أعلامهم محدّث الحرمين الشيخ محمد حياة السندي، وكان له أكبر الأثر في توجيهه إلى إخلاص توحيده عبادة الله، والتخلص من رقّ التقليد الأعمى، والاشتغال بالكتاب والسنة".

وكذلك لمن يرى الدعوة السلفية هي التي تمثل الإسلام الصافي، له أن يعدّ عودة هذه الدعوة إلى الحجاز اضمحلالاً لسلطة الأتراك العثمانيين، الذين نشروا التصوّف في العالم الإسلامي، وأن هذا الاضمحلال لسلطتهم كان فيه عودة لسلطة الحجاز إلى الحجاز مرةً أخرى.

وأما اعتراف الكاتبة بانتشار الدعوة السلفية في الحجاز في العقود الأخيرة، فهو وإن كان عندها اضمحلالاً لسلطة الحجاز، إلا أنه اعتراف منها بالواقع الماثِل للعيان، وهو أن الدعوة السلفية في الحجاز اليوم هي معتقد غالب أهل الحجاز (من القبائل والقاطنين أيضاً)، وأن المناهضين لها هم فيها اليوم أقلية.

وأما أن ذلك اضمحلال لسلطة الحجاز، فهو في الحقيقة اضمحلال للسلطة التي تريدها هي للحجاز، لا لسلطة الحجاز الدينية، التي هي الإسلام الصافي، المعتمد على الوحي من الكتاب والسنة.

ولذلك فإني أطالب من يطرح مثل هذا الطرح، أن يتكلّم بموضوعية علمية؛ إذ بأي حقّ تُصَوَّرُ فيه الحجاز، وكأنها وقف خاص على الدعوات المناهضة للدعوة السلفية.

فالموضوعية إذن هي أن ننظر إلى المذاهب الدينية القائمة، ونقيسها بالكتاب والسنة، فأقرب المذاهب إليهما فهو الذي يمثل سلطة الحجاز الدينية.

وهنا أغتنم هذه الفرصة لأعلن عن هذه الحقيقة، التي لم يعد بإمكان الكاتبة ولا غيرها أن يتجاهلها؛ لأنها واضحة وضوح الشمس: وهي أن غالب أهل الحجاز اليوم على الإسلام الصافي، وأنهم غير مخالفين للدعوة السلفية، فإلى متى يسمح المناهضون للدعوة السلفية لأنفسهم أن يتكلموا بلسان أهل الحجاز، وأن يتباكوا على السلطة التي يريدونها هم للحجاز؟!!

هذا كله لو سلّمنا بمنطق الكاتبة غير المنطقي، الذي أراد أن يربط سلطة الحجاز الدينية بالمذهب الديني الذي ينتشر فيها، وإن كان مذهبًا يشوبه من الكدر بقدر ما يبعده عن الإسلام الصافي. وهذا منطق متناقض كما سبق، لكن أردنا أن نبين أن هذا المنطق لا يخدم الكاتبة فيما تريده أيضاً.

ولذلك .. وانطلاقًا من حرية الكلمة، ومن حرية التعبير عن المعتقد، أقول: (وأنا أحد أبناء الحجاز، بل أحد أعرق أبنائها دينًا ونسبًا وتاريخًا)، إني لا أسمح لأحدٍ مناهضٍ للدعوة السلفية أن يتكلم باسمي، وباسم أغلب أهل الحجاز المخالفين له في مناهضته للدعوة السلفية. له أن يتكلّم باسمه وباسم الموافقين له، أما باسم جميع أهل الحجاز، فهذا ما لا نرضاه لأنفسنا، ولا يرضاه كل مناصر للحرية وللتسامح الديني. بل لو كنا نحن الأقلية، كما هم الآن، لما رضينا بهذا الإلغاء من الوجود، إلى هذا الحدّ البغيض من الإلغاء، الذي لا يقبله حيّ لنفسه.

ومن هؤلاء الذين ألغوا وجودنا كاتبة هذا الكتاب، حينما تصرّ على عدّ الحجاز وقفًا للتيار المخالف للدعوة السلفية، مع أن غالب أهل الحجاز اليوم مع التيار السلفي.

فأين التنوع والتسامح الديني في مثل هذا الإلغاء، يا دعاة التنوّع والتسامح؟!

هذا والله أعلى وأعلم.

والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حدّه.

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير