تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وعاصرهم أكبر أشاعرة عصره: (محمد زاهد الكوثري)، فرأى وجوب الانتصار للمذهب، والتشفي من أعدائه (الحشوية)، فنشر شرح شيخه الأشعري (التبريزي) للكتاب اليهودي، ولا ندري عما إذا كان هذا العمل باتفاق مع اليهود، أو إشارة منهم، إلا أن الكوثري قال: "لو كان القائمون بالاحتفاء بموسى ابن ميمون قبل سنين ظفروا بهذا الشرح القيم، لقاموا بنشره إذ ذاك بكل اغتباط" (5).

يريد أن يقول: إن المسألة توافق، وليست عن اتفاق. والله أعلم.

والمهم أن الكوثري أخرج الكتاب في سنة (1369هـ-1948م) وهي السنة التي قامت فيها دولة إسرائيل بفلسطين، ولسان حاله يقول: إذا لم تكن هذه الدولة على مذهب الحشوية، فلتكن ما تكون!.

وحتى لا يحسب أحدٌ أننا نتجنّى عليه - فضلاً عن شيخه التبريزي صاحب الفضل الأول- ننقل من مقدمته ما أنطق الله به لسانه، فهو يقول ضمن كلامه عن ابن ملكا (6) اليهودي الذي أفسد الإسلام في نظره: "وقد أوتي ذكاءً وحسن بيان، مع مكر بالغ، وشغب ملبّس، يدس بهما في غضون كلامه ما ورثه من عقيدة التشبيه من نحلته الأصلية، فيروج تلبيسه على من لم يؤت بصيرة نافذة تجلو الحقائق، يتظاهر بالرد على الفلاسفة في بعض مباحث المنطق والرياضيات والإلهيات، فيكون بذلك سبباً لرواج شغبه عند بعض محدِّثي الحشوية في تجويز حلول الحوادث (7) في الله سبحانه ....

مع أن حلول الحوادث في ذات الله محالٌ عند المتكلمين الفلاسفة في آن واحد (8). بل بحلول الحوادث في العالم استدلوا على حدوث العالم (9)! فكيف يستجاز ذلك في مبدع العالم جل جلاله؟.

وإن انخدع بكلام ابن ملكا ابن تيمية في تلبيسه، وتسعينيته، وسبعينيته، ومنهاجه، ومعقوله (10) ... "

ثم قال في مقام مقارنة كتاب ابن ملكا "المعتبر" بكتاب ابن ميمون "دلالة الحائرين": "فيستغرب من الشيخ الحراني –يعني شيخ الإسلام- إهماله لتلك البراهين المسرودة في "دلالة الحائرين" في تنزيه الباري عن الجسمية، مع اطلاعه عليها، وأخذه بتلك المحاولة الساقطة في معقولة عند رده على السيف الآمدي قوله باستحالة تحديد الله بجهة؛ لاحتياج ذلك إلى مخصص كما هنا، على طبق ما صنع في أخذه عن ابن ملكا ما انفرد به عن النظار من تجويز حلول الحوادث في الله. تعالى الله عما يقول المجسمة والمشبهة علواً كبيراً" (11).

فالكوثري يتهم شيخ الإسلام -صراحة- بأن تلك الأسفار التي لم يُكتب في بابها مثلها قط- لا في قديم الدهر ولا حديثه- ما هي إلا اقتباسات من فكر رجل يهودي مغمور يدعى ابن ملكا!

فماذا يريد الكوثري بذلك؟ أهو كما قال المثل العربي "رمتني بدائها وانسلت"؟.

الحقيقة أن الأمر أعظم من ذلك!

فإن الكوثري من أعظم الناس تدليساً وتلبيساً، ومكراً ودهاءً، يعرف ذلك من تتبع شيئاً من كلامه ونقولاته، وإليك البيان:

1 - أن ابن ملكا اعتنق الإسلام كما نص المترجمون لحياته، ونقل الكوثري نفسه قول الظهير البيهقي عنه أنه "حسن إسلامه"، فلا مقارنة بينه وبين اليهودي الميت على كفره، بل الزنديق الذي ليس بمسلم ولا كتابي موسى بن ميمون، وغاية ما في الأمر أن الرجل لما أسلم اعتنق بعض الحق الذي عليه مذهب السلف، فشغب عليه الكوثري لاعتناقه مذهب الحشوية، لا لكونه يهودياً، وإلا فلماذا لم يشغب على صاحبه ابن ميمون؟ وهو الكافر الصريح؟

2 - لم يكتفِ الكوثري بالشغب على ابن ملكا واتهامه في دينه، بل اتهم شيخ الإسلام بالأخذ عنه والتلقي منه، فهو إنما طعن في الرجل توصلاً إلى الطعن في شيخ الإسلام، وافتعل لذلك مناسبة كون ابن ملكا يهودي الأصل، وأقحم ذلك كله في مقدمة كتاب ابن ميمون؛ لأنه كتابُ يهودي أصلاً، أشعري مضموناً ونصاً، فبهذا جعل القدر المشترك بين ابن ملكا الذي أسلم ووافق عقيدة السلف، وبين ابن ميمون الموافق للأشاعرة مع بقائه على يهوديته شيئاً واحداً، فانظر إلى هذا التلبيس والمكر والدهاء.

3 - أن الكوثري - على ما ظهر لي- يسره أن يقال عنه: "رمتني بدائها وانسلت"، وتبقى المسألة في هذا الحد، وذلك لكي يخفي ما هو أعظم من ذلك، وهي صلته بإسرائيل ولفنستون وجولدزيهر وغيرهما من يهود المستشرقين (12)، وكذلك إخراجه لهذا الكتاب في أحرج موقف مر بين المسلمين واليهود؛ وهو قيام دولة إسرائيل.

4 - على كلام الكوثري يكون المسلمون جميعاً مقلدين في دينهم لفلاسفة اليهود! فأتباع السلف عنده -وعلى رأسهم ابن تيمية- هم من مقلدة ابن ملكا، والأشاعرة هم من مقلدة ابن ميمون. فالأمة الإسلامية إذن مهتديها وضالها- سائرة على خطى يهود!!.

وربما يثار سؤالٌ هنا، وهو: إذا كان اليهود بهذه المنزلة عند الكوثري وأساتذته، فمن هو الخطير على الإسلام إذن؟

والجواب: نأخذه من كلام الكوثري نفسه:

إنهم أهل السنة والجماعة!! فهو يقول عن أهل الحديث في الهند: "وبعض طوائف الهنود أصبحوا أضر على الإسلام من اليهود" (13)).

============

مقال متعلق بابن ميمون اليهودي

http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=112240&highlight=%E3%E6%D3%EC+%E3%ED%E3%E6%E4

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير