تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وقال البغوي: اتفقت الصحابة والتابعون ومن بعدهم من علماء السنة على أن العمل من الإيمان، وقالوا: إن الإيمان قول وعمل وعقيدة.

وأما المسألة الثانية: وهي مسألة الصفات فالإمام مالك يلتزم فيها مذهب السلف تبعا لمنهجه في إثبات العقيدة من "الكتاب والسنة" والحض على الاتباع والتحذير من الابتداع والتقليد، وقد اشتهر عنه قوله في الاستواء: إنه معلوم، وإن كيفه مجهول، والسؤال عنه بدعة، كما يروى هذا القول أيضا عن أم سلمة رضي الله عنها، وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن شيخ الإمام مالك.

والاستواء العلو والارتفاع، وصفة علو الله عز وجل التي يثبتها مالك والسلف والأشعري، وقبل ذلك أثبتتها عشرات الأدلة من الكتاب والسنة الصريحة التي لا تقبل التأويل أصلا، هذه الصفة هي التي تكشف حقيقة النزعة التكفيرية التي يتميَّز بها المذهب الكلامي الذي يراد إلصاقه بعقيدة مالك والمالكية الأصلية كما سيأتي توضيحه.

ولم يكن من المعقول نقل مذهب مالك في لأحكام العملية دون القضايا العلمية العقدية فحسب، فالإسلام عقيدة أولا ثم شريعة، فقد مكث المغرب الإسلامي والأندلس طيلة الأربعة القرون الأولى على عقيدة السلف التي كانت لصيقة بمذهب مالك الفقهي، غير أن المذهبية المتعصبة التي حدثت فيما بعد أرادت أن تضع مُسلَّمةً خاطئة أساسها الفصلُ بين الاعتقاد والعمل، وهذا الفصل في حدِّ ذاته بدعةٌ خطيرة حدثت في المجتمع الإسلامي سيما بعد نهاية القرن الرابع الهجري عندما تطور الفكر الإرجائي بتشجيع رسمي من بعض الدول التي ظهرت آنذاك كدولة السلاجقة ودولة الموحدين بقيادة ابن تومرت حيث صار المالكيون لا يعرفون من كتب المذهب إلا (المدونة) أو (المختلطة) أو (العُتْبية)، وتمّ عزل الموطأ الذي هو كتاب المذهب الأول، لأنه يحتوي على أدلة التشريع المتمثلة في النصوص الحديثية وآثار السلف، وليس من المنهجية العلمية في شيء أن يلزم المتبع لمذهب مالك العقيدة الأشعرية، وجمهور متأخري الأشاعرة يُكَفِّرون مثبتي الصفات على طريقة الإمام مالك رحمه الله الذي رفض أن يجلس في حلقته من يتكلم في الصفات على غير طريقة السلف.

وأما فيما يتعلق بأبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري رحمه الله (260 ـ324هـ) فقد ذكر ابن كثير أنه مرَّ بثلاث مراحل في معتقده، مرحلة الاعتزال ثم مرحلة إثبات الصفات العقلية السَّبع، وأخيرا مرحلة رجوعه التّام إلى معتقد السلف حيث ألّف كتابه (المقالات) الذي يُصرِّح فيه أنه يقول بكل أقوال أهل السنة وأصحاب الحديث، وكذلك كتاب (الإبانة عن أصول الديانة) هذا الكتاب الذي يُشكِّك خصوم العقيدة السّلفية في صحة نسبته إلى الأشعري، وأنه آخر مؤلفاته، والصّحيح أنه ثابتُ النسبة إليه، وممن نسب كتاب (الإبانة) إلى الأشعري ابن عساكر في (تبيين كذب المفتري) والحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد، والحافظ الذهبي في كتابه (العلو للعلي الغفار)، وابن فرحون المالكي في كتابه (الديباج المذهب)، وابن العماد الحنبلي في (شذرات الذهب)، والسيد مرتضى الزبيدي في (إتحاف السادة المتقين)، وأبو القاسم عبد الملك بن درباس في رسالة (الذب عن أبي الحسن الأشعري)، وشيخ الإسلام ابن تيمية في (الفتوى الحموية الكبرى)، وابن القيم في كتابه (اجتماع الجيوش الإسلامية).

فهؤلاء جميعا وغيرهم يؤكدون صحة نسبة (الإبانة) إلى صاحبها أبي الحسن الأشعري، وأنها آخر تواليفه التي تضمّنت عقيدته التي مات عليها رحمه الله. قال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى: أبو الحسن الأشعري كبير أهل السنة بعد الإمام أحمد بن حنبل وعقيدته وعقيدة الإمام أحمد بن حنبل واحدة لا شك في ذلك ولا ارتياب، وبه صرح الأشعري في تصانيفه.

ومن العلماء الذين ذكروا رجوع الأشعري إلى عقيدة السلف ابن عساكر الدمشقي في (التبيين)، وأبو بكر إسماعيل الأزدي القيرواني المعروف بابن عزرة، وابن خلكان الشافعي في الوفيات وأبو الفداء إسماعيل بن كثير في البداية والنهاية، وشمس الدين الذهبي في كتابه (العلو)، وابن فرحون المالكي في (الديباج)، وغيرهم.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير