تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وبينما يكون من ضرورات المقدمة عند الكاتب المنصف أن يفصح عن جهازه المعرفي للقاريء الذي يرسم به مناهجيته في النقد والتحليل التي يميز بها الحق من بين الفكر المضطرب، لم يقدم فودة شيئا من ذلك، واستعاض بدلا منه بمنهجية الهدم بالاتهام المباشر على فكر ابن تيمية، انطلاقا من الملقن في الذهن، والممتص من المسبق، كقوله في مقدمة " نقض الرسالة التدمرية " وأما عندنا، فما كتبه – ابن تيمية – واضح في مذهب الضلال، ونص صريح في نصرة مذاهب المجسمة والكرامية المبتدعة، ونحن في ردنا عليه ونقضنا لكلامه لا يتوقف هجومنا لصد أفكاره وتوهماته على موافقة الناس لنا ( ... ) ولذلك فإنهم لما ناظروه وبينوا له أنه لا دليل له على ما يقول طلبوا منه الكف عن الدعوة لهذا المذهب البطال فلما أبى حكموا عليه بالسجن، وهو عقاب أمثاله ممن ناقض أهل الحق وتفرد برأيه ودعا الناس إليه من غير وجه حق، لما يحدث ذلك من اضطرابات وفتن " وكان الأجدى بفوده من هذا الاتهام والهجوم الذي يثير الفتن بين الناس الصادر عن تفرده وإعجابه برأيه، الذي لا يتوقف على موافقة الناس لفكره كما يقول، أن يثبت لهم هذه التهمة بما يضفيه من مصداقية على صفاءه المعرفي الخالص لوجه الله تعالى، وليس انطلاقا من أحكام ماضوية مسبقة.

البناء على الادعاء

وبينما يكون من واجبات البحث الأصيل أن لا يبنى على ادعاءات مسبقة، حتى لا تكون نتيجة البحث إعادة لمقولات مكرره، ومعاودة الاتصال بالمؤدلج، يصر فودة على السير في طريق سلفه من المخاصمين لابن تيمية، فمن خلال هذا الادعاء الذي لا يستند إلى منهجية معززة بجهاز معرفي، فان ذلك قد أعطى فودة قدرة على الحركة الاعتبارية والممارسة العقلية الغائية، التي تلتصق التصاقا بالسابق والمؤدلج، وباعتباره كذلك، فإنه سعى سعية في إلصاق السابق والمؤدلج بابن تيمية بادعاء أنه " ألف بين قطع مذهب التجسيم ورتبه ونظمه حتى أسس أركانه وكان يسميه بمذهب السلف مجانبة منه للصواب، وتعصبا لرأيه ومحض عناد، وقد ألف كتبه لنصرة المذهب والتبس الأمر على كثير من الخلق من العلماء والعوام " وهذا البناء المبني على اتهام مسبق بتضليل ابن تيمية يجعل القاريء يتعفف من الخوض في البناء الذي قامت عليه تفاصيل كتاباته.

التغبيش على الواقع

التغبيش على الواقع هو ثالث أثافي المنهج الذي اتبعه فودة، فالواقع أن أفكار ابن تيمية لاقت رواجا كبيرا في هذا العصر، وذلك لأسباب عدة، أهمهما أنها مؤطرة بجهاز معرفي تمفصلي، حيث مارس النقد على الفكر الإسلامي هدما وبناء على الجذر المعرفي الطبيعي للعصمة، وبالتالي فإنه مهما افترق أو اتفق مع الآخر، فإنه يبقى في المجال التداولي لذلك الجذر، وهو ما يبعد عنه تهمة التضليل والتعاند التي يتهمه بها فوده، عوضا عن ميزة التجديد التي تتمتع بها كتابات ابن تيمية، التي أتت على العرفان الباطني والبيان الفلسفي الكلامي، الذي غرقت به الأمة منذ الصدر الإسلامي الأول.

إن منهج التغبيش على الواقع الذي ابتدعه فودة، " ومن هذا الباب اهتممت أن أنقد بعض الكتب التي كتبها ابن تيمية، وذلك للأثر الكبير الذي يلاحظ لفكره على كثير من الناس في هذا العصر " يفسر غائية مضمرة في نفسه، وهو بالضبط ما ينكره عن نفسه وعن سابق معرفته وتلقينه " وقد ظن كثير من العوام وتابعهم على ذلك من انتسب إلى العلماء إن علماءنا المتقدمين الذين قاوموا أفكار ابن تيمية إنما فعلوا ذلك حسد من عند أنفسهم "، ونكرانه لهذا، هو في محل الإثبات بما اعترف به من انتشار فكر ابن تيمية في هذا العصر، وحسد له علاقة بالصعود الإسلامي الذي اتكأ على أفكار ابن تيمية في العصر الحديث.

المصادرة على المطلوب بالحشو الفلسفي الزائد

وهذا فن من فنون الفلسفة، تمكن المتفلسف من المراوغة وتتيح له الحركة خشية الاحتباس الفكري، الذي يمكن للخصم أن يثبته فيه، كما تمنحه مساحة ذهنية لممارسة التقية المعرفية التي تستبطن الذات، وتفريغها فلسفيا على الموضوع، وإن كان فودة يحاول إلصاق هذا النوع الفلسفي على ذات ابن تيمية " لأنه اعتاد إتباع أساليب لفظية تتيح له التهرب عند المسائلة، وتترك لمن لم يتيقن فهم مراده التشكك فيما قصده، والرجل لا نظن نحن فيه إلا أنه تقصد ذلك،"، لكن القاريء لكتابات فودة، سيرى مدى التصاق ما وصف فيه ابن تيمية ملتصقا في كتاباته، هي نفسها التي اعتمد فيها اعتمادا كبيرا على الحشو الكلامي والفلسفي، فيما قد ينجيه عند المتابع من الهروب من تقية التكريس للمذهب الأشعري " المتأخر " واحيائية جديدة لعلم الكلام، الذي كان ما كان منه في صناعة الفتن بين الأمة الإسلامية.

أخيرا، سيكشف المطالع في كتابات سعيد فودة مقدار الظلم الذي مارسه على ابن تيمية فيما اسماه " نقدا " باسم طلب الحقيقة، وفي حقيقتها ما هي إلا هدم يقوم على الادعاء من تلقينات كلامية وفلسفية مسبقة،وتغبيش على واقع انتشار فكر ابن تيمية كمصلح ومجدد في الأمة، وحشو فلسفي للتشويش على الحقيقة التي حاول نقضها وترسيمها بالتلقين من خصوم الإمام السابقين منهم واللاحقين.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير