تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

بالعروبة، فينبغى من ثم أن نقرأه فى صلاتنا بلغته التى نزل بها، وإلا ما كان الذى نقرؤه قرآنا، بل ترجمة للقرآن. ونحن لسنا فى معرض ترجمة للقرآن بل فى معرض قراءة له. ترى كيف يسهل على الأعجمى أن يترك دين قومه وعقائدهم وتشريعاتهم وأسلوبهم فى الأكل والشرب واللبس والمسكن والطهارة، ثم يعجز عن أن يحفظ الفاتحة، تلك السورة التى لا يأخذ حفظها منه أكثر من عدة دقائق؟ أما ضيق أبو زيد باشتراط الشافعى قراءة السورة بذات الترتيب الذى نزلت وقُيِّدَتْ به فى المصحف فلست أفهم سره. أهى معاندة والسلام؟ وكيف يا ترى يحب د. نصر أن نرتب له آيات تلك السورة؟ أم إن كل ما يريده هو أن يكون لها ترتيب مخالف للترتيب الذى أنزله الله سبحانه على نبيه بها؟ بالله عليك أيها القارئ هل تراه يصح أن يقرأ أحدهم "الفاتحة" هكذا مثلا: "صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (7) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) "؟ ألن تقول من فورك: أىّ خَبَلٍ هذا؟ ذلك أننا لسنا فى سيرك للألعاب البهلوانية، بل فى صلاة نقف فيها أمام الله فى خشوع وإخبات تامين. و"الفاتحة"، كأى نص لغوى، ليست مجرد ألفاظ وعبارات والسلام، بل ألفاظ وعبارات مرتبة على نحو معين، ولو رتبناها بطريقة أخرى لكان لها معنى مختلف قليلا أو كثيرا، وربما لم يكن لها معنى مفهوم البتة. ونحن إنما نقف أمام الله لنقول له كلاما عاقلا لا رُقًى هزليةً تبعث على الضحك. ومقام الألوهية لدى المؤمن أكبر وأجل وأعظم وأمجد من أن نصيخ فيه السمع إلى تُرّهات أبو زيد، حتى لو كان أبو زيد الهلالى سلامة. فما بالك، وهو أبو زيد نصر حامد؟ حسبنا الله ونعم الوكيل. وصدق من قال: الجنون فنون".

ومن أفانين أبو زيد العجيبة، وما أكثرها، أنه يرتب على قول الشافعى باتساع العربية حتى لا يحيط بها سوى نبىٍّ القول بأن تفسير القرآن إذن غير ممكن لأن القرآن صورة مصغرة للعربية كما يقول (ص11 - 12 من كتابه عن الإمام الشافعى). ولا أدرى من أين أتى بهذا الهراء. فأولا من قال إن القرآن صورة مصغرة للعربية؟ بل كيف يكون صورة مصغرة منها أصلا؟ هل القرآن صورة "أربعة فى خمسة" مثلا من اللغة بحجمها الطبيعى؟ إن القرآن لا يحوى من ألفاظ اللغة وعباراتها إلا جزءا محدودا جدا. وأى كتاب مهما كان حجمه لا يمكن أن يستوعب اللغة. بل إن المعاجم المبسوطة ذاتها لا تستوعب اللغة. بل إننا لو جمعنا المعاجم كلها ما غطت جميع ألفاظ اللغة وعباراتها، على الأقل لأن اللغة تتسع كل يوم بما يستجد بها من كلمات وتعبيرات لم يكن السابقون يعرفون عنها شيئا. وعلى كل حال فلو صح ما قاله أبو زيد من أن القرآن صورة مصغرة للغة لصدق هذا على كل كتاب، إذ الألفاظ والعبارات محدودة العدد فى أى كتاب بالنسبة إلى محيط اللغة الزخار. كذلك لم يحدث أن قال أحد من العلماء بعدم إمكان تفسير القرآن، فضلا عن أن عدد كتب التفسير الهائل يدل على نقيض ما يهرف به نصر أبو زيد. بل إن معظم كتب التفسير، كأى شىء آخر فى الحضارة العربية الإسلامية، قد ألفها غير عرب بحكم قلة عدد العرب فى الأمة. ثم إن أبو زيد، بعد كل هذه الضجة المصمة والمماراة المزهقة للأنفاس، يعود (ص22) فيقول بصعوبة الأمر فقط لا باستحالته، وعلى غير العربى وحده لا على العربى أيضا، وهو ما يكذبه الواقع والتاريخ حسبما أشرنا قبيل قليل. وهكذا يراوغنا الدكتور أبو زيد من صفحة إلى صفحة، وكأنك يا أبا زيد ما غزوت! ثم هو فى نهاية المطاف يفشل فشلا ذريعا.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير