تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

بيَّن الدلالة على ذلك.

وقد تكون المناقشة في الإجماع على نحو مُغَاير لما تقدم؛ حيث يكون

الاعتراض على مخالف الإجماع، وبيان سقوط قوله، ومجافاته للصواب. ومن

أمثلة ذلك:

ما حكاه المفسرون من الإجماع على أن القَسَم في قوله تعالى:] لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ

لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ [(الحجر: 72)، إنما هو بحياة محمد صلى الله عليه وسلم،

وخالف الزمخشري ذلك مدعياً بأن القسم إنما هو بحياة لوط عليه الصلاة والسلام

فانبرى له ابن القيم والآلوسي بالرد والنقض.

دواعي ذكر الإجماع عند المفسرين:

لقد كان النصيبُ الأوفر من مسائل الإجماع الكثيرة المبثوثة في كتب التفسير

لآيات الأحكام.

أما الإجماع المتصل بتفسير القرآن الكريم فإن المفسرين لم ينصوا عليه في

جميع موارده التي وقع فيها إجماع في القرآن الكريم، وسبب ذلك عائد في نظري

إلى كثرتها إلى الحد الذي يصعب معه حصرها، ويضاف إلى ذلك: أن المرويات

في التفسير كثيرة قد يعزُّ على المصنف في التفسير الإحاطة بها فضلاً عما دخل تلك

المرويات من ضعف وقلة تمحيص، ولذلك فإنهم يكادون ألاَّ يذكروا الإجماع في

تفسير لفظ، أو تحديد معنى معين إلا لسبب يدعوهم لذكره.

ومن أهم تلك الدواعي والأسباب ما يلي:

السبب الأول: وجودُ الاشتراك في المعنى: بحيث يرد في الآية لفظ مشترك

بين معنيين فأكثر، وقد يتسع السياق لحمل المشترك على أيٍّ من معانيه، لكن يقوم

دليل على قصر المشترك على أحد تلك المعاني، ويُجْمِع العلماء عليه.

ومن أمثلة ذلك:

قوله تعالى:] وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ

سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ [(البقرة: 231)، فإن «البلوغ» لفظ مشترك يطلق في

اللغة على المقاربة وعلى الانتهاء. وقد أجمع العلماء على حمل البلوغ هنا على

المقاربة؛ لأنه إذا انتهى أجل المطلقة وانقضت عِدَّتُها فلا يَدَ لزوجها عليها؛ وقد دل

لذلك أدلة كثيرة ليس هذا موضعَ بيانها. وهذا بخلاف معنى «البلوغ» في الآية

التي تليها، وهي قوله تعالى:] وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن

يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعُروفِ [(البقرة: 232)، فإن معنى

«البلوغ» هنا: هو الانتهاء، وذلك لكون المعنى يضطر إليه، والسياق يدل

عليه، هذا فضلاً عن أدلة أخرى، من أهمها: سبب نزول الآية.

السبب الثاني: تحريرُ محل النزاع في الآية: وهذا كثير عند المفسرين،

وذلك أنهم حينما يذكرون الخلاف في تفسير لفظ أو في معنى يبدؤون أولاً بذكر ما

أجمع المفسرون عليه تحريراً لمحل النزاع، وقد يكون ما ذكروه من الإجماع أمراً

واضحاً لا إشكال فيه، لكن دعا إلى ذكره بيانُ المحلِّ المتنازع فيه. ومن أكثر

المفسرين ذكراً للإجماع لهذا السبب الإمامان: الطبري، وابن عطية رحمهما الله.

ومن أمثلة ذلك:

1 - قوله تعالى:] وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [

(البقرة: 53)، فقد أجمع المفسرون على أن المراد بـ «الكتاب»: هو

التوراة، وهذا إجماع لا يُشك فيه، بل ولا يُحتاجُ لذكره لبداهته لولا أن الذي دعاهم لذكره هو الاختلاف الواقع في المراد بالفرقان، حيث اختلف المفسرون فيها على خمسة أقوال.

السبب الثالث: الرد على المخالفين:

فقد كثرت دعاوى الفرق المنحرفة في الاحتجاج على بدعهم وضلالاتهم

بالقرآن الكريم، فانبرى العلماء لرد احتجاجهم بسقوط تلك الدعاوى، وبيان أن

تفسيرهم للآيات على الوجه الذي ذكروه مخالف لإجماع السلف الذين هم أدرى

بالتنزيل، وأعرف بلغة العرب، وأبعد عن الأهواء، وأسلم من الزيغ، وإجماعهم

سابق على وجود من بعدهم، سواء قيل: إنهم أجمعوا على قول معين، أو قيل:

إنهم اختلفوا على قولين أو أكثر، وخلافهم عليها إجماع منهم على عدم الزيادة عليها، كما تقدم تقريره.

ومن أمثلة ذلك:

1 - قوله تعالى:] وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ اليَقِينُ [(الحجر: 99) حيث

حكى العلماءُ الإجماعَ على أن المراد باليقين: الموت. رداً على غلاة الصوفية

الذين زعموا أن اليقين منزلةٌ من بلغها سقطت عنه العبادة.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير