ومثل ذلك في قول الله تبارك وتعالى: ”وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ“ (البقرة: 14)، فالمنافقون – كما تصور الآية – حريصون على إخفاء طويتهم الفاسدة أمام المؤمنين، ولذلك قالوا: (آمنا)، هكذا على الجملة الفعلية، أما أمام شياطينهم من مردة الكفر والنفاق فإنهم قالوا: (إنا معكم إنما نحن مستهزئون)، حيث عبروا عن إخلاصهم لهم بالجملة الاسمية لا بالفعلية كما كان يتبادر؛ جرياً للكلام على نسق واحد.
أبو السعود رحمه الله يبين السر في ذلك ببيان مفصح، فيقول: "وإنما خاطبوهم بالجملة الاسمية المؤكدة، لأن مدعاهم عندهم تحقيق الثبات على ما كانوا عليه من الدين، والتأكيد للإنباء عن صدق رغبتهم، ووفور نشاطهم لا لإنكار الشياطين، بخلاف معاملتهم مع المؤمنين؛ فهم إنما يدعون عندهم إحداث الإيمان، لجزمهم بعدم رواج ادعاء الكمال فيه، أو الثبات عليه .. " (( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674058#_ftn2)2). مثال آخر - والأمثلة كثيرة - في قول الله سبحانه: ”وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ“ (البقرة: 130 (، يقول أبو السعود مبينا سر التعبير بالجملة الاسمية في قوله (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) ما نصه: "وإيثار الاسمية لما أن انتظامه في زمرة صالحي أهل الآخرة أمر مستمر في الدارين، لا أنه يحدث في الآخرة " (( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674058#_ftn3)3).
( (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674058#_ftnref1)1) تفسير أبي السعود 1/ 57.
(( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674058#_ftnref2)2) المرجع السابق 1/ 65.
(( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674058#_ftnref3)3) المرجع السابق 1/ 201.
ـ[رأفت المصري]ــــــــ[20 - 09 - 07, 08:34 م]ـ
المبحث السابع: الالتفات* ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674060#_ftn1)
أسلوب بلاغي معروف عند أهل اللغة، وقع استعماله في كتاب الله كثير ا، لم يغفل أبو السعود التنبيه إليه، وإلى أسرار استعماله كأسلوب يعتبر من أساليب التفنن البلاغي، ينبئ عن قدرة المتكلم على إجادة التصرف في الكلام. ومن أمثلة هذا النوع ما نبه إليه أبو السعود عند قول الله تبارك وتعالى:”يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ“ (البقرة: 21)، تناولت الآيات السابقة لهذه الآية أنواع الناس وأصنافهم على سبيل الغيبة، ثم نجد النص القرآني انتقل من ذلك إلى الخطاب الواضح في الآية الكريمة. فما سر ذلك؟ يجيبنا أبو السعود على عادته في التنبيه إلى أجمل اللطائف بقوله:
"أقبل عليهم بالخطاب على نهج الالتفات هزا لهم إلى الإصغاء، وتوجيها لقلوبهم نحو التلقي، وجبرا لما في العبادة من الكلفة بلذة الخطاب" (1) ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674060#_ftn2) . ومن الأمثلة على هذا النوع من أنواع البلاغة المعجزة التي نبه عليها خطيب المفسرين "أبو السعود، ما جاء في قول الحق سبحانه: ” وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ“ (البقرة: 83).
ففي بداية الآية كان الكلام عن ميثاق الأسلاف من بني إسرائيل، ثم لما ذكر التولي توجه به على سبيل الخطاب إلى الحاضرين منهم، يقول أبو السعود: "التفات إلى خطاب بني إسرائيل جميعا، بتغليب أخلافهم على أسلافهم، لجريان ذكر كلهم حينئذ على نهج الغيبة، فإن الخطابات السابقة لأسلافهم محكية داخلة في حيز القول المقدر قبل (لا تعبدون)، كأنهم استحضروا عند ذكر جناياتهم، فنعيت هي عليهم، وإن جعل خطابا لليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا تعميم للخطاب بتنزيل الأسلاف منزلة الأخلاف، كما أنه تعميم للتولي فينزل منزلة الأسلاف للتشديد في التوبيخ .. " (( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674060#_ftn3)2).
وهكذا أكون كشفت النقاب عن بعض الأسرار البلاغية في القرآن الكريم من خلال الالتفات، كما جلّاها أبو السعود في تفسيره.
* ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674060#_ftnref1) الالتفات هو: "التعبير عن معنى الطرق الثلاثة: التكلم والخطاب والغيبة، بعد التعبير عنه بواحد منها"، انظر: عبد العظيم المطعني، "الالتفات"، بحث منشور ضمن "الموسوعة القرآنية المتخصصة"، 508، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، مصر،2002.
(1) ( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674060#_ftnref2) تفسير أبي السعود 1/ 79.
(( http://www.ahlalhdeeth.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=674060#_ftnref3)2) تفسير أبي السعود 1/ 158.
¥