تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

وكذلك - أيضاً - هناك مصالح دنيوية من التجارة وحصول المنافع، ولذلك فضل الله أهل البيت الحرام فساق إليهم الخيرات فجعل بلدهم أمناً مطمئناً تجبى إليه ثمرات كل شيء رزق منه-سبحانه- لكي يشكروه ويحمدوه وبعظموه فحق جيران بيت الله الحرام أكد من غيرهم فلما يرون الناس تتوافد عليهم من كل حدب وصوب شعروا بحرمة هذا البيت وشعروا بنعمة الله عليهم وفضل الله عليهم كيف تهوى القلوب إلى هذا البيت فتجد المسلم في أقصى الشرق تسأله عن أمنيةٍ عزيزةٍ عليه يقول: أتمنى أن أرى البيت الحرام، وأتمنى أن أحج، وأتمنى أن أعتمر، وهذا كله لا شك أنه يدعو الإنسان أن يشعر بنعمة الله- U- عليه، ومن مصالح الحج الدينية كما ذكرنا التجارة وكذلك - أيضاً - يجتمع الناس فيتعارف بعضهم على بعض وتتعرف على عادات وتقاليد وترى أشياء عجيبة وصنوفاً غريبة من تصرفات الناس وأفعالهم فترى الحكيم بحكمته والجاهل بجهله فإن وجدت خيراً تعلمته وإن وجدت غير ذلك حمدت الله على نعمته عليك وفضله لديك ففي الحج غايات عظيمة وأسرار كريمة فليس المقصود أن الإنسان يحج هكذا من أجل أن يصيب هذه العبادات خالية عن المعاني.

وقال بعض العلماء: من أعظم معاني التوحيد في الحج في خاصة الإنسان أن الحج يذكره بالآخرة، فإن الإنسان من أول لحظة في الحج إذا خرج من بيته يتوجه إلى الميقات فيأتيه أمر الله- U- في الميقات أن يتجرد من ثيابه وأن ينزع عنه المخيط فإذا تجرد من ثيابه تذكر إذا جرده أهله من ثيابه واليوم يجرد نفسه لكنه غداً يُتجرد فتذكر الآخرة، ثم لبس الثوبين فتذكر إذ يلبس الأكفان، ثم إذا لبس الثوبين منع من الطيب ومنع من قص الشعر ومنع من الترفة فيتذكر أنه إذا صار إلى قبره يحال بينه وبين أي شيء من ملاذ الدنيا ومتعها وما فيها من الشهوات والملهيات، كذلك هو في حجه يمنع من هذه الأمور لكي يتذكر هذه الحال، ثم إذا صار إلى صعيد عرفات تذكر وقوف الناس بين يدي الله- U- حفاة عراة غرلا ضاحين بين يدي الله- I- فيتذر مثل هذه المواقف، ولذلك يقولون: الحج يعين على ذكر الآخرة ".

ومن غايات الحج وأهدافه وأسراره أنه يقوي شكيمة المسلم، ولذلك وصفه النبي- r- لكونه جهاداً فتتعود على التغرب عن الأوطان، ولذلك جعل الله- U- شهواتك تستجيب لك ولست بمستجيب لتلك الشهوات فأنت إذا كنت في النوم جاءك الأمر أن تقوم لصلاة الفجر فتقوى على نفسك فتقوى إرادتك على النفس الأمارة بالسوء فتقوم من النوم ويأتيك أمر الله- U- بأن لا تأكل ولا تشرب ولا تجامع الأهل من طلوع الفجر إلى غروب الشمس فتقوى على شهوتك خاصةً إذا كان الإنسان دعي إلى الحرام، فإذا ترك الحلال من باب أولى أن يترك الحرام فبقيت شهوة الأوطان وشهوة المساكن فأنت طيلة العام بين أهلك وولدك فيأتيك أمر الله أن تخرج فتتعلم الغربة لله والتغرب في سبيل الله وفي طاعة الله- U- فإذا جاءك الأمر بجهاد أو تحمل مشقة تخرج لأنك اعتدت ذلك وألفته فيخرج الإنسان من متاعه فالأغنياء والأثرياء يخرجون من اللذة ويخرجون من الراحة والدعة والسرور ومن الخدمة إلى الشظف فهذا يضربه بكتفه وهذا يضيق عليه خناقه ويدخل في شديد الزحام مع الفقير والضعيف فيحس بمعانٍ كثيرة لا يجدها وهو على فراشه الوثير،

فهذه معاني عظيمة تخرج المسلم إلى قوة الشكيمة وقوة العزيمة بدل أن كان في وهن وفي ضعف من الخلود إلى الراحة خاصةً الأثرياء والأغنياء وإذا خرج إلى الحج فإنه إذا كان في ثرائه ونعمائه قد لا يستطيع أن يرى الفقير، وقد لا يستطيع أن يرى الضعيف لكن إذا خرج إلى الحج رأى الضعفاء ورأى الفقراء ورأى نعمة الله- U- عليه من المرضى وكبار السن ونحوهم من الضعفة والحطمة فيتذكر فضل الله- I- عليه فهذه معاني جليلة.

كذلك - أيضاً - تستفيد العبر فسبحان الله من الأمور الغريبة أنك ترى في الحج الرجل من حطمة الناس كبير السن في آخر عمره والله تراه يتوكأ على عكازه أو يسند مع أولاده وأحفاده فتقول سبحان الله العظيم هؤلاء كبار السن مع الضعف والحطمة ومع ذلك يتكلفون الحج ويخرجون إلى طاعة الله ومحبة الله وتجد أهل الإنسان في النعمة والرخاء والثراء لا يخرجون فتقول سبحان الله الموفق للخير تجد هذا الفقير ضعيفاً مريضاً وتجده وهو في شدة المرض حطمه من الناس ومع ذلك تجده يتكلف الحج وأيضاً ترى الناس يعطف بعضهم على بعض وترى الناس يحلم بعضهم على بعض فتحس بنعمة الإسلام لكن لو كانت القلوب حية، لقد عهدت بعض العلماء والمشائخ-رحمة الله عليهم- من مشائخنا كنا إذا حججنا معهم نرى أموراً عجيبة فبعض الأحيان تراه يبكي أرى الشيخ يبكي، فأقول له سبحان الله ما يبكيك؟ يقول: أنظر هذا لا يبكي يقول حينما تنظر إلى اجتماع الناس وهم يعجون بالدعاء والتضرع إلى الله والمسألة والفاقة، تحس بأن الله أغنى الأغنياء وأن فقرك ينبغي لله فتقول سبحان الله من يجيب هذه المسائل

أستودع الله أموري كلها إن لم يكن ربي لها فمن لها

من هذه الصيحات ولهذه الدعوات وما هذا الفضل والكرم والجود والإحسان حينما يخرجهم من بيوتهم وأهليهم وأولادهم لكي يرحمهم-سبحانه- وقد يأتيه الرجل ابن تسعين سنة وهو حياته في المعاصي والفجور والفسوق ولكن يأبى إلا أن يحسن له الختام ويأبى إلا أن يرحمه ويأبى إلا أن يلطف به فيأتي به في آخر عمره لكي يوقفه هذا الموقف، ولربما يموت في عشية عرفة مغفور له مرحوماً ويخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه! حينما ترى هذه الأمور يزداد إيمانك بالله- Y- وحينما ترى الصيحات والدعوات وهي تجأ إلى الله- I- بسائر اللغات واللهجات فتقول سبحان الله العظيم سبحان من وسع سمعه الأصوات! فلا تخفى عليه لهجة ولا تخفى عليه لغة ولا يخفى عليه صوت ولا تعيه مسألة وهو- I- يجيب المضطر إذا دعاه، فلما ترى هذه المواقف تحس بعظمة الله- Y- وتحس بأنه ينبغي عليك أن تجعل فقرك كله غناك كله بالله- I- وحده لا شريك له وهذه من معاني التوحيد ومن معاني اليقين بالله- U- .

- نسأل الله العظيم، رب العرش الكريم أن يرحمنا برحمته، وأن يرزقنا التفكر وحسن التدبر وأن يجعل لنا من ذلك أوفر الحظ والنصيب -.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير