تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

فإن فهم هذا فلا يشترط للآمر بالفعل قصد طلب لوازمه، وإن علم أنّه يلزم وجودها مع فعل المأمور, ومن هذا يتضح ثبوت قاعدة: الأمر بالشيء أمر بلوازمه بطريق اللزوم العقلي لا بطريق قصد الآمر, ولا يُقال إنّ إطلاق القول بالأمر بالشيء أمر بلوازمه يؤدي إلى إثبات ما لا دليل عليه، لأنّ الدليل العقلي معتبر عند أهل الشرع، إذ العقل شرط في معرفة العلم وسلامته شرط في التكليف, والعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح أبدا وهو موافق له, بل هو المُدرِك لحجة الله على خلقه, والشرع قد دلّ على الأدلة العقلية وبيّنها ونبّه عليها كما قرر ابن تيمية وابن القيم في الصواعق (3)، ولهذا لم يرد في كلام الأولين من سلف هذه الأمّة ما يدلّ على معارضة العقل والنقل فضلا عن القول بوجوب تقديم العقل على النقل.

ولا يتنافى في القول بفورية المأمور به على سبيل الاحتياط مع وضع اللّغة, لأنّ مضمون الاحتياط هو السلامة من الخطر والجزم ببراءة الذمّة ولا يكون ذلك إلاّ بالمبادرة إلى الفعل وفورية العمل به لذلك كان أقرب لتحقيق مقتضى الأمر الواجب, وعند أهل التحقيق يرون أنّ الأمر المطلق لا يقتضي فورا و لا تراخيا لتقيده بالفورية أحيانا، كما لو قال السيّد لعبده: "سافر الآن" وبالتراخي أحيانا أخرى كما لو قال:"سافر رأس الشهر" فإذا أمره بأمر مطلق خال من تقييد بفور أو تراخ فيكون محتملا للأمرين معاً، وما كان محتملا لهما فلا يكون مقتضيا لواحد منهما بعينه, لذلك كان الاحتياط في المبادرة إلى الفعل أسلم من الخطر وأقطع لبراءة الذمّة، الأمر الذي يتوافق ووضع اللغة على الفورية والمبادرة، لأنّ السيّد لو أمر عبده فلم يمتثل فعاقبه لم يكن له أن يعتذر بأنّ الأمر على التراخي فالأحوط له السلامة من الخطر بالمبادرة التي تشهد لها ظواهر النصوص كقوله تعالى: ?فاستبقوا الخيرات? [البقرة148.المائدة48] وقوله عز وجلّ: ?وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم? [آل عمران133].

والله أعلم وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه والتابعين وسلم تسليما

الجزائر: 13 ربيع الثاني 1418ه

الموافق ل: 17 أوت 1997م

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير