تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

" الوجه الرابع والأربعون: وهو مما يرفع المجاز بالكلية أنهم قالوا إن من علامة الحقيقة السبق إلى الفهم، وشرطوا في كونها حقيقة الاستعمال كما تقدم، وعند الاستعمال لا يسبق إلى الفهم غير المعنى الذي استعمل اللفظ فيه،فيجب أن يكون حقيقة، فلا يسبق إلى فهم أحد من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الفرس الذي ركبه (إن وجدناه لبحراً): الماء الكثير المستبحر، فإن في (وجدناه) ضميراً يعود على الفرس يمنع أن يراد به الماء الكثير ...... بل السابق إلى الأفهام من هذا التركيب نظير السابق من قولهم:" يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء " ..... فكيف كان هذا حقيقة، وذاك مجازاً والسبق إلى الفهم في الموضعين واحد؟ " أ. هـ.

ومما يؤيد كلام ابن القيم من كلام أهل اللغة:

- أن الأصمعي قال:"يقال للفرس بحراً إذا كان واسع الجري، أو لأن جريه لا ينفد كما لا ينفد البحر " أ. هـ.

قال ابن فارس في مجمل اللغة:" ويقال:فرس بحْرٌ إذا كان واسع الجري، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مندوب أبي طلحة:إن وجدناه لبحراً " أ. هـ.

فهل وجدت في كلام ابن القيم ما يدل على تخصص مباحث العقيدة بالنفي؟!

أما شيخ الإسلام فهو لا يرى تقسيم الألفاظ إلى ما استعمل فيما وضع له، وإلى ما استعمل في غير ما وضع له، بل كل الألفاظ مستعملة فيما وضعت له في الغة العرب.

قال رحمه الله في الفتاوى: (6/ 578): (ولهذا كان المرجح قول المسوغين لأن استعماله فيهما غايته أن يكون استعمالا له في غير ما وضع له وذلك يسوغ بطريق المجاز ولا مانع لأهل اللغة من أن يستعملوا اللفظ في غير موضوعه بطريق المجاز على أن إطلاق القول بأن هذا استعمال له في غير موضوعه فيه نزاع كإلطلاق القول في اللفظ العام المخصوص أنه استعمال له في غير موضوعه ومنه استعمال صيغة الأمر في الندب ونحو ذلك فإن طوائف من الناس يقولون بعض المعنى ليس هو غيره فلا يكون ذلك استعمالا له في غير موضعه ولا يجعلون اللفظ بذلك مجازا وهذا قول أئمة من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم كالقاضي أبي يعلى وأبي الطيب وغيرهما واستعمال اللفظ المشترك في معنييه ضد استعمال العام في بعض معناه فإنه موضوع لهذا مفردا ولهذا مفردا فجمع بين معنييه ومثل هذا لا يقر مثل هؤلاء بأنه عين معناه إذ هو معناه مفردا ومعه غيره

وكما أن بعض الشيء ليس بغير له عندهم فلا يصير الشيء غيرا لنفسه بالزيادة عليه لا سيما إذا كان المزيد نظيره وليس المقصود هنا تكميل القول في هذه المسألة ولكن نبين حقيقة ما يحتج به هؤلاء فإن هذا المثل الذي ضربوه مضمونه أن يجعل اللفظ موضوعا لأمر ونهي وخبر ويقصد بالخطاب به إفهام كل معنى لمخاطب غير المخاطب الأول وهذا جائز في المعقول لكن ليس هذا مما ادعوه في الكلام بشيء وذلك أن النزاع ليس هو في أن اللفظ الواحد يدل على حقائق مختلفة فإن هذا لا ينازع فيه أحد ولا حاجة فيه إلى ضرب المثل بل دلالة الألفاظ الموضوعة على حقائق مختلفة كثير جدا وإن كان اللفظ خبرا أو أمرا لكن ويدل على حقائق مختلفة وإنما النزاع في المعاني المختلفة التي هي مدلول جميع الألفاظ التي أنزلها الله هل هو معنى واحد فالنزاع في المعاني المعقولة من الألفاظ وهي أمر الله بكذا وأمره بكذا أو نهيه عن كذا ونهيه عن كذا أو خبره بكذا).

فالمجاز لا يمنع القول به في العقيدة فقط بل في فيما يتعلق بالاعتقاد وصفات الباري جل وعلا وكلامه سبحانه وكلام رسوله (وماله ارتباط بالأحكام الشرعية فالقول بمنع المجاز فيها هو المتعين لما يلزم على القول به من لوازم فاسدة، أما ما ليس له علاقة بما سبق بل مجرد ألفاظ وأساليب واصطلاحات فحسب فالأمر فيه واسع بحمد الله فمجال اللغة رحب وميدانها فسيح ولا مشاحة في الاصطلاح.

قال الشيخ محمد ابن عثيمين في: المجلى شرح القواعد المثلى:

(طائفة من أصحابنا وغيرهم نفوا وقوع المجاز في القرآن ولكن لا يعلم منهم من نفي المجاز في اللغة كقول أبي إسحاق الإسفراينى ولكن قد يسمع بعض صالحيهم إنكار المجاز في القرآن فيعتقد إنكاره مطلقاً ويؤيد ذلك: أن المتبادر إلى فهم أكثر الناس من لفظ الحقيقة والمجاز: المعاني والحقائق دون الألفاظ.

فإذا قيل: إن هذا مجاز فهموا أنه ليس تحته معنى ولا له حقيقة فينكرون ذلك وينفرون منه ومن أنكر المجاز من العلماء فقد ينكر إطلاق اسم المجاز لئلا يوهم هذا المعنى الفاسد ويصير ذريعة لمن يريد جحد حقائق الكتاب والسنة ومدلولاتهما.

ويقول: غالب من تكلم بالحقيقة والمجاز هم المعتزلة ونحوهم من أهل البدع وتطرفوا بذلك إلى تحريف الكلم عن مواضعه فيمنع من التسمية بالمجاز ويجعل جميع الألفاظ حقائق، ويقول: اللفظ ان دل بنفسه فهو حقيقة لذلك المعنى وإن دل بقرينة فدلالته بالقرينة حقيقة للمعنى الآخر فهو حقيقة في الحالين).

و بما أن بحثكم يتعلق بالأصول فلا بد من التحري قبل الحكم لا سيما إن كان بحثكم أطروحة ماجستير أو دكتوراه وكان من مباحث دلالات الألفاظ فيتوجب الدقة أعانكم الله، وارجع إن شئت إلى بحث الدكتور عبد الرحمن السديس وهو المجاز عند الأصوليين بين المجيزين والمانعين فقد ذكر الأقوال والأدلة وذكر الترجيح.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير