تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[قارئ العصر" .. قراءة في الظلال والهوامش.]

ـ[فريد البيدق]ــــــــ[06 - 09 - 05, 02:01 م]ـ

توطئة:

أبتدىء بهذا المدخل من خلال النقاط الآتية:

1) الموسيقى: اختار الأستاذ "سعد الشريف" لمشاعره قالب"الكامل" المتميز بموسيقيته الظاهرة الراقصة التي تبلغ من ظهورها حدًّا يزداد احتمال ترقيص من ليس له إلمام بالعروض أو معرفة بالإيقاع. وتلاءم هذا الاختيار مع المعجم اللفظي الموجود في الأبيات؛ لهذا كان الظل إيجابيا.

2) الخيال: رسم الأستاذ الفاضل من خلال الأبيات لوحة كلية وصورة فنية؛ احتوت داخلها الصور الجزئية موضوع علوم البلاغة. وملامح هذه اللوحة ستتضح تباعاً أثناء التناول.

3) تحقق النصية: النص– أي نص- كيما يكون نصًّا لا بد له من وضوح في الرؤية، وتسلسل في الأفكار، وتماسك في الأجزاء والأوصال. ووجود هذا العنصر الذي هو "تحقق نصية النص" سيتم الحديث عليه نهاية الحديث التحليلي.

4) منهج التناول: المنهج التحليلي الذي يرفع شعار "اللغة العربية .. تداخلُ علومٍ للجمال"؛ فالمتذوق للعلوم اللغوية التحتية [أصوات – صرف – نحو – معجم]، والملم بالعلوم الفوقية التي هي فنون أكثر من كونها علوما [بلاغة – فقه لغة – علم نص – علم الحركة الجسمية - ... ]-يكون ذوب اللغة، ويمتلك التذوق التحليلي الفني الممتع.

والآن .. أجدني مضطراً إلى قطع هذا المدخل الذي لم تتم كل عناصره؛ لأجول في أجواء هذه الأبيات؛ ولنبدأ من حيث بدأ الشاعر ..

الصوت الساري

سحر الجميع بصوته الفتان ... طربًا يرتل أعذب الألحان

بترنم ذهل الكثير لحسنه ... فكأنه طيف من الألوان

قمة الحدث بدء الأبيات، ولنستعير أجواء القصة القصيرة. بدأت الأبيات من ذروة الحدث. ما الحدث؟ تأثير صوته. وما صوته؟ عماد الحديث وأساسه. ماذا عن صوته؟ سلب لب الجميع، واستولى على قلوب كل من يستمعه. لماذا؟ لأنه يجعل الجميع مستمالين."سحر" ذلك الفعل المذخور بالتهاويم والتصاوير والنتائج غير المنطقية، "سحر" ذلك الفعل الذي يصنع لنفسه عالما مملوءا بما يخصه، ولا ينتمي لغيره. إنه السحر الذي ينفرد بمنطقه وقوانينه. هذا السحر المتمرد سيطر عليه الشيخ القارئ، وامتلك زمامه واستخدمه؛ فلم يملك الجميع إزاءه إلا الانفعال الآخذ المستولي الذي يترك صاحبه جذوة انتشاء وانسجام.

"سحر" ذلك الفعل الماضي الذي يجعل الأسلوب خبريًا يفيد التحقق والثبوت، ولقد جاء به خاليا من المؤكدات بكل أنواعها لتأكيد بداهة التأثير الأخاذ الذي يجعل الجميع لا يجول بخاطرهم مثقال ذرة من شك أو رفض أو اعتراض. بم امتلك كل هذا التأثير المهيمن؟! بصوته. صوته الموهوب من ربه الذي يختص من يشاء بما يشاء، صوته تلك القناة الاتصالية مع الآخرين، صوته ذلك الشيء الاجتماعي الذي يجعل صاحبه مركزًا للعيون والقلوب.

"بصوته الفتان" الباء سببية تجعل صوته آلة سيطرته وهمينته، والنعت الحقيقي–هنا- يوضح برمية واحدة قوة صاحبه وتأثيره، وانفعال الآخرين وتأثرهم. "الفتان" ليس فاتنا؛ إنما هو فتان. من كثرة من فتنهم صار فتانًا، ومن تكرار تأثر الشخص الواحد صار فتانًا، وهكذا نجد أوجه الفتنة كثيرة ومحاورها متعددة.

ويمكن أن تكون الباء زائدة –على الرأي المرجوح الذي يدعمه السياق- فتكون زيادتها لفظيا ذات دلالة تأكيدية، وتكون كلمة "صوت" عمدة؛ إذ تصير فاعلاً، وهذا أقوى. لماذا؟ لأن الصوت هو أساس الانتشار وسبب السحر، فيلائمه أن يكون فاعلا لفظًا ومعنىً؛ حتى يكون الموقع النحوي دالاًّبلاغيًّا ودلاليًّا. أما أن تكون الباء أصلية - لعدم وجود مسوغ للزيادة حسب الرأي الراجح- فيتعلق الجار والمجرور "بصوته" بـ"سحر"؛ فهذا غير متوافق مع ما يرمى إليه الشاعر من إثبات سحر الصوت وعبقريته. وهذا هو المستوى الدلالي النحوي الذي يضع المواقع الإعرابية علامة بارزة على الدلالة المدعمة أو الناقضة رؤية الشاعر، وهذا ما معناه " عبدالقاهر في نظرية النظم".

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير