تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[شواهد نحوية في الرسالة للشافعي]

ـ[هاني إسماعيل]ــــــــ[23 - 05 - 10, 01:19 م]ـ

[شواهد نحوية في الرسالة للشافعي]

منشور بمجلة الوعي الإسلامي العدد (538)

لا يخفى على أحد شهرة الشافعي في الفقه، التي ذاعت وملأت الآفاق؛ "فكان أفقه الناس في كتاب الله وفي سنة رسول الله" على حد تعبير الإمام أحمد بن حنبل () ـ رضي الله عنهما، فهو صاحب مذهب فقهي من المذاهب الأربعة المجمع عليها في الفقه الإسلامي.

ومما زاده شهرةً على شهرته، ذبّه عن حياض الحديث الشريف، وزوده عن حجيته وحجية الإجماع في الفقه وأصوله؛ حتى سماه أهل مكة "ناصر الحديث"، وأكد ابن حنبل هذا حين قال: "لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث" ().

بالإضافة أن للشافعي السبق في تدوين علم أصول الفقه، "فهو المبتكر لهذا العلم بلا نزاع، وأول من صنف فيه بالإجماع" (). فكتابه الرسالة هو أول مصنف يتناول علم أصول الفقه كعلم مستقل بذاته.

وفي هذه (الرسالة) تتجلى صورة الشافعي اللغوي الحجة الثَبْت، مما يجعلنا نسترجع أقوال بعض علماء العربية فيه، فالأصمعي (ت: 216هـ) ذلك العالم اللغوي يصحح أشعار الشنفري على الشافعي ()، فضلا عن أشعار هذيل، إذ يقول: "صححت أشعار الهذليين على فتى من قريش، يقال له محمد بن إدريس" ().

أما عبد الملك بن هشام اللغوي (ت: 213هـ) فيقول: "الشافعي ممن تؤخذ عنه اللغة" () ويؤكد هذا أبو عثمان المازني (ت: 249هـ) شيخ النحاة في زمانه يقول: "الشافعي حجة عندنا في النحو" ()، لذا يتعجب ثعلب (ت: 291هـ) من هؤلاء الذين ينقلون الشواهد اللغوية التي يرويها الشافعي دون النظر إلى لغة الشافعي نفسه، فيقول: "العجب أن بعض الناس يأخذون اللغة عن الشافعي، وهو من بيت اللغة! والشافعي يجب أن يؤخذ منه اللغة، لا أن يؤخذ عليه اللغة" ()، يعني يجب أن يحتجوا بألفاظه نفسها لا بما نقله فقط من أشعار العرب وكلامهم.

ولو نظرنا في كتاب الرسالة للشافعي لرأينا صحة ما يقول به ثعلب والآخرون من علماء اللغة والنحو، فالكتاب مليء بالشواهد اللغوية من كلام الشافعي نفسه، ومن فضل الله تعالى علينا أن وصلت إلينا نسخة من كتاب الرسالة بخط الربيع، راوية الشافعي وجامع كتبه، كتبت في حياة الشافعي ـ عليه رحمة الله ـ وقد قام بتحقيقها العلامة أحمد محمد شاكر (). ومن أمانته العلمية ـ التي تميز بها ـ حافظ على النص كما هو دون تدخل منه، وأضاف إلى هوامشه الشروح والتعليقات المفيدة التي استفدنا منها كثيرا في كتابة هذه السطور.

وإليكم بعض النماذج من هذه الشواهد النحوية التي وردت في كتاب الرسالة:

1. حذف النون من الأفعال الخمسة بدون ناصب أو جازم للتخفيف:

قال الشافعي ص562: "وقال نفر من أصحاب النبي: الأقراء الحيض، فلا يحلوا المطلقة حتى تغتسل من الحيضة الثالثة". والشاهد قوله: (فلا يحلوا) إذ أن لا نافية غير ناهية فكان الأصل أن يقول فلا يحلون بثبوت النون ولكنه حذفها للتخفيف.

ويقول أيضا ص597: "ولقد وجدنا أهل العلم يأخذون بقول واحدهم مرة ويتركونه أخرى ويتفرقوا في بعض ما أخذوا به منهم" والشاهد قوله: (ويتفرقوا) فهو محذوف النون بغير جازم أو ناصب وبالرغم من أن الأفعال قبله مثبوتة النون إلا أنه حذف النون للتخفيف.

2. نصب اسم كان عندما يكون خبرها جارًا ومجرورًا أو ظرفًا:

ففي ص117: "ورواه عبادة بن الصامت عن النبي أنه قال: خمس صلوات كتبهن الله على خلقه، فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن: كان له عند الله عهدًا أن يدخله الجنة"، والشاهد في قوله: (عهدًا) بالنصب مع أنها اسم كان مؤخر وجوبا، والرفع فيها الأصل، ولكن الشافعي ينصب اسم كان عندما يكون خبرها جارًا ومجرورًا أو ظرفًا.

ومن ذلك كلمة (سننا) في قوله ص 158: "وقد كانت لرسول الله في هذا سننا ليست نصا في القرآن" وفي قوله ص174: "ثم كانت لرسول الله في بيوع سوى هذا سننا"

3. إهمال عمل (لم) الجازمة ورفع الفعل بعدها:

ومن شواهده قوله ص275: "وقد قال بعض التابعين: لقيت أناسا من أصحاب رسول الله فاجتمعوا في المعنى واختلفوا عليّ في اللفظ، فقلت لبعضهم ذلك، فقال: لا بأس ما لم يحيل المعنى".

الشاهد قوله: (لم يحيل) إذ أنه لو جزم لقال لم يحل بحذف الياء لالتقاء الساكنين: ساكن المد، وسكون اللام للجزم، فلما لم يجزم لم يحذف الياء، ومنها قوله ص311: "وخطبها على أسامة بن زيد بعد خطبتهما: فاستدللنا على أنها لم ترضى، ولو رضيت واحدا منهما أمرها أن تتزوج من رضيت". والشاهد قوله (لم ترضى) إذ أنه لم يحذف حرف العلة لأنه أهمل عمل لم. وفي ذلك سندا لمن قال أن إهمال عمل (لم) لغة من لغات العرب، وليس للضرورة الشعرية.

هذا قليل من جم كثير، تفيض به كتابات الشافعي وعلى الأخص رسالته، فلغة الشافعي لغة عربي قح، لم تصبه هجنة أو لكنة، والتي تكشف لنا عن الشافعي اللغوي علاوة على الشافعي الفقيه.

الهوامش

(1) ابن حجر العسقلاني: توالي التأسيس، تحقيق عبد الله القاضي، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 1986، ص84.

(2) السابق: ص 85.

(3) عبد الرحيم بن الحسن الإسنوي: التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، تحقيق د. محمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1400هـ، ص45.

(4) ابن حجر العسقلاني مصدر سابق: ص99

(5) تاج الدين السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: د. محمود محمد الطناحي، د. عبد الفتاح محمد الحلو، هجر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1413هـ، ص161.

(6) ابن أبي حاتم الرازي: آداب الشافعي ومناقبه، تحقيق عبد الغني عبد الخالق، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى 2003، ص101.

(7) تاج الدين السبكي: مصدر سابق، ص 161.

(8) مقدمة الرسالة لأحمد محمد شاكر: ص14، وانظر: كتاب الرّد على الانتقاد على الشافعيّ في اللُّغة للبيهقي، تحقيق عبد الكريم بكّار، دار البخاريّ، بريدة، ص30.

(9) طبعة دار التراث، الطبعة الثانية، 1979.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير