تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[حجابي (أصل المقال قصة من الواقع)]

ـ[عصام البشير]ــــــــ[10 - 10 - 10, 02:29 م]ـ

حجابي

(أصل هذا المقال قصة واقعية)

(نشر في موقع الألوكة: الرابط ( http://www.alukah.net/World_Muslims/0/25919/))

كانت تباشيرُ الفجر الجديد تملأ الأُفق ببساطٍ من البياض، يُخالط سُدْفة اللَّيل الراحل، فينعكس على الأرض بغبشٍ من النور، تتبيَّن فيه قسماتُ الوجوه، وتقاطيعُ الأشياء غامضة لا تبوح بمكنوناتها، كأنَّها ورثَتْ من الليل شيئًا مِن كِتمانه، وحديثًا من أسراره.

وكأنَّ نسائِمَ الصباح الأولى تتراقَصُ ثائرةً في كلِّ مكان، مُنطلقة عن كلِّ قيد، تغازِلُ البِنَايات السامقة، وتجمش الأشجار المترنحة، ثم تتسلَّل بين الثياب والأجسام، فتلطِّف من حرارة الصيف الخانقة.

وكانت المدينة تستيقظ من سباتها في بطءِ الكسلان إذ يصحو، ويبقى على فراشه لَقِسَ النَّفْس، ينبعثُ العضو منه تلو الآخر، ويتثاءَب بين كلِّ حركة وأختها، فلا تكتمل يقظتُه إلا بعد دقائق طويلة من المدِّ والجزر؛ بين ضيق الفراش وسَعة الكون مِن حوْله.

كان كلُّ شيءٍ من حول "أسماء" ساكنًا مطمئِنًّا، مُقبلاً في يومه على تَكرار ما كان منه في أَمسه، قد عرَفَ الطريق التي سيسلكها فيما يستقبل من الساعات، وتبيَّنَ صورها، وأبصرَ معالمها.

أما قلبُها هي، فكان مُضطربًا واجفًا، كما لو أنَّ صدرَها صارَ قفصًا لعصفور صغير، لا يفتأ يقفز بين أسوار سِجْنه، يحنُّ إلى الانطلاق والتحرُّر، ولا يجد إلى ذلك سبيلاً.

وكان ذِهنُها الصغير مُزدحمًا بألف سؤال، ويضعُ لكلِّ سؤالٍ ألفَ جواب، ليس في واحد منها بردُ اليقين.

كانت "أسماء" قد ودَّعتْ صاحباتها عبر أسلاك الهاتف على عَجَلٍ، فلم يكنِ السفر مُخطَّطًا له منذ مدة تكفيها في لقائهنَّ ومُجالَستهِنَّ.

ولقد كانت تتمنَّى هذا اللقاء؛ لعلها تقتبسُ من دعابتهنَّ البريئة ما يُنير لها الطريق المظلِم الممتد من أمامها، أو تتنشَّقُ من أريج عبثهنَّ الساذج نفحةً تتضوَّع منها أنحاءُ رُوحها المضطربة.

ولكنَّها اضطرتْ إلى أن تُسرعَ في مخاطبة مَن أَمْكنها منهنَّ قبيل صلاة الصبح بقليل، ثم ارتدتْ ثيابها، وأحكمتْ حجابَها من فوق رأْسها، وخَطَتْ أولى خُطواتها خارج البيت الذي عاشتْ فيه سنواتٍ طويلة من عُمرها.

حملتْ "أسماء" حقيبتها، وأسرعت اللَّحاق بأبيها الذي كان يستحثُّ الجميعَ بكلماته المتلاحقة، وكان قد رسَمَ على شَفَتيه ابتسامةً عريضة، يحاولُ أنْ يُخفي بها ملامحَ القَلَق التي تسرَّبتْ من فؤاده إلى وجْهِه.

لم يكن الأب راضيًا عن هذا السفر المفاجئ الذي فُرِض عليه، ولكنَّه لم يكنْ ليخالف رؤساءَه في مثل هذا، فليسوا هم مَن يتحكَّمون في الاختيار، ولا لهم القُدرة على التغيير أو الإلغاء، وإنَّما عَملُه يَقتضي أن يتنقلَ بين بلاد الأرض، لا يقرُّ له في أحدها قرارٌ، يستقرُّ في البلد أربع سنوات لا غير، فما يشرعُ في معاشرة أهْلها، والاعتياد على حضارتهم وتقاليدهم، حتى يُنقَل على وجْه السرعة إلى بلدٍ آخرَ، فإذا به يستأنف علائقَ جديدة، ومعرفة طارفة.

فما كانت السنوات الأربع التي يقضيها في كلِّ بلد قليلة، بحيث لا يربط بأهْل البلد وشيجةً يُؤلمه قطعُها عند الفراق المحتوم، وما كانت كثيرة، بحيث تحبِّبُ له السآمةُ الانتقالَ، ويُهَوِّن عليه حبُّ التجديد مرارةَ الارتحال، وإنما كان كالشجرة الصغيرة التي تُنقلُ من مَهْدها بعد أن تنغرسَ بعضُ جذورها في الأرض.

كانتْ حياتُه على هذه الحالة منذ سنوات طويلة، ولكنَّ سفرَ اليوم لم يكنْ كالأسفار التي سبقتْه.

أما أولاً، فلأنَّه ما كان يتنقلُ من قبلُ إلاَّ بين البلاد الإسلاميَّة، فإذا اختلفتِ الثقافة، وتنوَّعت التقاليد، اتَّحد الدِّين، فلم يبقَ مِن الخِلاف إلا كما يكون بين الأخ وشقيقه، يجمعُهما كنفُ الأسرة الواحدة.

أما الآن، فهو مُقبل على بلاد أوروبا؛ حيث الفِتنُ والمغْرِيات، وحيث الشهوات والشُّبهات، وحيث .. لا إسلام.

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير