تم الاندماج مع الموقع الرسمي لمشروع المكتبة الشاملة وقد يتم الاستغناء عن هذا النطاق قريبا

فصول الكتاب

[تاريخ الدعوة الإسلامية في موريتانيا , للشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي]

ـ[أبو زيد الشنقيطي]ــــــــ[28 - 01 - 08, 12:06 م]ـ

قال حفظه الله:

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها الإخوة المؤمنون! السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إن هذا الدين دين الله، وليس دين الناس، فالله عز وجل ناصر دينه ومظهره ومعزه، بذل ذليل أو بعز عزيز، ثبت عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أنه كان مرتفقاً في ظل الكعبة، فأتاه خباب بن الأرت رضي الله عنه فقال: (يا رسول الله! ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتفقاً على برده، فرفع يده وجلس وقال: كان من قبلكم يؤتى بالرجل فيوضع المنشار على مفرقه فيقسم نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون عظمه ولحمه، ولا يرده ذلك عن دينه، والذي نفس محمد بيده! ليبلغن هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، ولكنكم قوم تستعجلون). إن هذا الدين دين الله عز وجل، وهو ناصره ومؤيده، وهو الذي امتحن عباده بنصرته ونشره، وهو غني عنهم، وسيعزه سواءً تقدموا بحمل مسئوليتهم أو تأخروا وتقاعسوا، فإن الله عز وجل لا يعجزه البدل ولا يعجزه الخلف، وهو القائل في محكم كتابه: ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [محمد:4]. وهذه الأمة أمة واحدة كما قال الله: إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [الأنبياء:92]، وإن العاملين لدين الله عز وجل الداعين إليه في مختلف العصور سلسلة واحدة؛ ولذلك قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: (إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد أبناء علات)، فالأنبياء كلهم على طريق واحد ومنهج واحد، وإنما يختلفون فيما ينزل إليهم من الشرائع والأحكام، لا في أصل التوحيد والعقائد، ولذلك قال الله تعالى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [الشورى:13]. فالدين واحد، والعاملون له في مختلف العصور سلسلة واحدة، والتجربة فيه تجربة واحدة، فهذا الأثر وهذا الطريق هو المسلوك من لدن نوح عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولكن الناس يتفاوتون في تحمل مسئولياتهم وفي القيام بها، وكذلك بعض البيئات والواقع الذي يعيشه الناس يختلف تارات اختلافاً ليس عائداً إلى نفس المنهج، وإنما هو عائد إلى حياة الناس وما هم فيه. لذلك فكلامنا عن الدعوة إلى الإسلام في بقعة من أرض الله تعالى لا يعني أن ذات هذه البقعة تتميز عن غيرها من بقاع الأرض كلها، بل الأرض كلها لله، وكل من فوقها عباد لله تعالى: إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا [مريم:93]، فجميعهم سيأتون يوم القيامة فراداً، مقرون بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وكلهم مكلفون بما بلغهم من دين الله عز وجل الذي أرسل به الرسل، وأقام به الحجة. وكلامنا عن بقعة معينة من هذه البقاع، وعن رجالها الذين حملوا هذه الأمانة فأدوها؛ إنما هو تثبيت للقائمين على آثارهم، والقائمين على صراط الله تعالى والداعين إليه، وأيضاً إقامة للحجة على ذويهم وأتباعهم وذرياتهم الذين لم يسلكوا مسلكهم، ولم ينهجوا منهجهم، فكلامنا عن الرجال الذين حملوا هذه الأمانة في هذه البلاد إنما هو من باب قول الله تعالى: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا [الحج:78]، فإن الله عز وجل لا يريد ترويجاً لدينه بأن يجعله منسوباً إلى رجل من البشر، فالدين دين الله، وهو الذي اختاره لعباده، ولا يرضيه سواه، ولكنه أراد شحذ الهمم وإثارة العواطف، وجعل إبراهيم أباً لكل المؤمنين: سواءً منهم من كان من ذريته، كذرية إسماعيل وإسحاق، أو من لم يكن كذلك، فكلهم على ملة إبراهيم بالمعنى الديني، فهم ذريته وهو أبوهم، والأبوة هنا أبوة دينية لا أبوة طينية، فإبراهيم أب لكل المؤمنين الموحدين ممن جاء بعده إلى يومنا هذا، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ ولذلك جعل الله تعالى كل الرسل من بعده من ذريته، فأكثر من بعث من الرسل كانوا من ذرية إبراهيم. وكذلك من باب قول الله تعالى حكاية عن يوسف الكريم بن الكريم بن الكريم في قوله لصاحبيه في السجن: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي [يوسف:38]، فالملة ما اقتنع بها ديانة وفطرة ووحياً وعقلاً، ولكنه مع ذلك يقول: (مِلَّةَ آبَائِي) ليبين ارتباط هذه الملة بالعاطفة، وأن محبتها راسخة في قلبه؛ فلذلك ذكر أن هذه الملة هي التي سار عليها آباؤه من قبله، فليس بدعاً من الرسل. ......

¥

تعرف على الموسوعة الشاملة للتفسير